زاوية منفرجة
جعفر عباس
التغرير التلفزيوني أشكال وألوان
من فضل الله علي أنني قضيت معظم سنوات حياتي العملية في مجال الإعلام، خاصة في التلفزيون، ومن ثم فقد صارت عندي مناعة ضد الإعلانات التجارية، وقد تحدثت أمس الأول عن تقرير جمعية الطفل البريطانية الذي جاء فيه ان نحو 10% من عيال المدارس ـ خاصة أبناء الفقراء ـ يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية وأن منشأ معظمها الإحساس بالحرمان من "الأشياء الجميلة" التي يرونها على شاشات التلفزيون.. أذكر كيف أنني وفور وصولي الى لندن لأول مرة اشتريت قارورة مايونيز، بعد ان شاهدت إعلانا تلفزيونيا يؤكد انه ما من شيء أشهى من المايونيز.. كنت قد سمعت بتلك المفردة من قبل ولكنني كنت اعتقد أنها اسم وحدة في الجيش الأمريكي، ودخلت غرفتي وأغلقت الباب، وأدخلت إصبعي في قارورة المايونيز وشفطت ما علق منها بإصبعي شفطة واحدة، فإذا بكل الطعام الذي أكلته خلال الساعات الـ24 الماضية يندفع خارجا من فمي دفعة واحدة.. قرأت محتويات القارورة: بيض وحليب.. إإخخخخخ.
المحزن أننا صرنا كبارا وصغارا نصدق الخزعبلات التي تتضمنها الإعلانات عن السلع عبر التلفزيون، ولهذا يذهب الواحد منا الى سوبر ماركت لشراء زبادي وخيار وفيمتو، ويخرج منه حاملا تسعة أصناف.. الأصناف الستة الزائدة كلها قيل عنها في الإعلانات أجمل مما قاله الأبله قيس في ليلى.. وكثير من الرجال والنساء يشترون الصحف ولكنهم يبدأونها بالملاحق الإعلانية.. وهناك سوء فهم، خاصة عند النساء، فكثيرات منهن يعتقدن أن شراء سلعة من محل معروف يعلن عن تنزيلات "فرض عين".. وتتباهى أمام صويحباتها: تخيلوا اشتريت البلوزة هاي من محلات شرم برم الايطالية بـ333 ريالا.. بس! ولن تجد من يقول لها: يا خبلة يا هبلة نفس البلوزة تباع في محلات "شاه لال بلال" بـ 85 ريالا وان سعرها قبل التنزيل في محلات شرم برم كان 340 ريالا.. ولأن معظم بيوتنا لا تعرف التخطيط المالي او "ميزانية البيت الشهرية"، فإننا نجتاح البقالات بعربات اليد ونملأها بسلع ثم ننسى أمر معظم تلك السلع (لأننا أصلا لم نكن بحاجة إليها) حتى تنتهي صلاحيتها.. وسأذيع عليكم سرا: إذا دخلتم الى متجر كبير للسلع الاستهلاكية فركزوا على الرفوف السفلى حيث توضع البضائع رخيصة الثمن التي لا تقل قيمة من ناحية المحتوى من نظيراتها غالية الثمن الموضوعة على خط النظر بحيث لا تخطئها العين.. وللنساء أقول: كل كريمات ترطيب وتلميع البشرة "سيم سيم" فلا تشتروا إلا أرخصها ثمنا.. ذات مرة أصبت بشد عضلي وأنا في مكة والتقيت مصادفة بصديق طبيب وطلبت منه ان يصحبني الى الصيدلية لشراء أفضل دهان للشد العضلي.. فسار بي الى دكان بائس واشترى لي منه أنبوب دهان بريالين وقال: الدهان ابو 50 ريالا وأبو ريالين يؤديان نفس المهمة في تخفيف آلام العضلات.. ولو لقيت دهان بأقل من ريالين يكون "أفضل".. والشاهد هو أن التغرير الإعلاني له أشكال أخطر، تأثيرها مباشر ومدمر ماديا على الأقل.