أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
دولة الرفاه
زار جامعة الملك سعود في الأسبوع الماضي البروفيسور (جيمس هيكمان)، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، وحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000م. ولقد فوجئت بأن محاضرته لم تكن عن موضوع اقتصادي بحت، بل هي محاضرة في الاقتصاد السياسي تتناول موضوعاً مهماً عن النماذج المثالية لدولة الرفاه. وخيّل لي أن طالباً في العلوم السياسية مثلي لن يستطيع فهم محاضرة هذا الرجل، ولكن لدهشتي فقد رأيت طرحه يتداخل بشكل رئيسي مع ما ندّرسه في علم السياسة تحت مسمى (الدولة الجماعية أو الكوربوراتية).
حاول الدكتور (هيكمان) أن يضع ثلاثة نماذج عريضة لدولة الرفاه، أحدها سماه بالنموذج الإنجلوسكسوني وينطبق على بعض المساعدات التي تقدم للفقراء والعجزة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وهي مساعدات محدودة مقارنة بمثيلاتها من المساعدات التي يحصل عليها المواطنون في النموذج الثاني، دولة الرفاه ذات التخطيط الاقتصادي غير المركزي، وهو النموذج المنتشر في فرنسا وألمانيا ومعظم دول أوروبا الوسطى. أما النموذج الثالث فهو ما يسميه دولة الرفاه ذات التخطيط المركزي وهو النموذج المطبق في السويد وبقية البلدان الإسكندنافية. وحاول الباحث أن يدحض المقولة التي درج عليها بعض الاقتصاديين الذين يرون بأن البلدان الإسكندنافية مثل السويد وفنلندا، قد نجحت في إنشاء دولة الرفاه والمحافظة على مستوى عالٍ من الإنتاج والنمو الاقتصادي، وكذلك مستوى منخفض من البطالة.
يرى الدكتور هيكمان بأن هذه المقولة ليست صحيحة بالضرورة؛ فاقتصاديات البلدان الإسكندنافية تعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي وعلى التوظيف الحكومي. فرغم وجود بعض الشركات الكبرى في هذين البلدين، مثل أريكسون ونوكيا، وهما شركتان عالميتان، إلا أن أكثر من 50% من الطاقة العاملة في هذين البلدين تعتمد على وظائف حكومية، لذلك فإن مستوى البطالة المنخفض فيهما يستر جزءاً غير واضح من بطالة مقنّعة تعمل في الخدمات الحكومية أو المتصلة بالخدمات العامة، دون أن تكون منتجة. وحين تحتسب هذه النسب، فإن مستوى البطالة الحقيقية ربما يتعدى 15 %. كما أن مستوى الضرائب في هذه البلدان مرتفع، خاصة على أصحاب رؤوس الأموال مما لا يشجعهم على الاستثمار بشكل واسع في هذه الاقتصاديات.
النقطة الثانية التي يطرحها الباحث هو أن تزايد مستوى الخدمات سواءً في البلدان الاسكندنافية، أو في بلدان القارة الأوروبية الأخرى، قد خلق ثقافة جديدة بين فئات المجتمع خصوصاً من الشباب الذين تتدنى لديهم مستويات الإنتاجية الفعلية مقارنة بآبائهم من الجيل الذي يقع في سن (45 60 سنة). ويعزو هذا التباين في مستوى الإنتاجية، إلى أن الجيل الأكبر سناً قد عاش مرحلة صعبة بعد الحرب العالمية الثانية، وكافح من أجل بناء نفسه والحصول على وظيفة أفضل. والنقطة المهمة هو أن ذلك الجيل لم يعش في فترة دولة الرفاه، أما أولئك الشباب ما بين العشرين والثلاثين فإنهم قد ولدوا في مرحلة دولة الرفاه. وأنهم باتوا عبئاً على القطاع الحكومي، وأصحاب مستويات متدنية من الإنتاج. وبالتالي فإن دولة الرفاه في رأيه تنتج مضاعفات وانعكاسات سلبية على إنتاج العاملين. غير أن البروفيسور (هيكمان) يستدرك بأن دولة الرفاه الإسكندنافية قد نجحت في تأمين مستويات عليا من التعليم لأبنائها، وكذلك مستويات عليا من الخدمات الصحية. وبهذا فقد نجحت هذه البلدان في بناء الرأسمال الإنساني القادر على المنافسة، وبقوة، في مجتمع المعرفة العالمي.
والحقيقة أن برنامج علماء نوبل الذين يزورون من خلاله جامعة الملك سعود بشكل دوري منتظم، ويلقون المحاضرات فيها، يساهم في تحريك الفكر الجامعي، وخلق تفاعل قوي بين هؤلاء الزوار وأساتذة الجامعة وطلابها. وهو ما سينعكس مستقبلاً بشكل إيجابي على المستوى المعرفي والثقافي في المحيط الجامعي.