أسماء الزهراني
النشر وصناعة القارئ
عاشت الرياض الأسبوعين الماضيين زخما من الفعاليات الثقافية، وكان من بينها معرض الكتاب الدولي، الذي حظي بحضور واسع وإقبال كبير من شرائح القراء كافة، حتى الطفل وجد مكانه في جناح مستقل، كان بحق إنجازا يحسب للمعرض هذا العام. ما يمكن ملاحظته بوضوح هو التباين الكبير في التنظيم بين داخل المعرض وخارجه، فأنت تعاني الأمرين حتى تستطيع إيقاف السيارة في المواقف المخصصة، وكثيرا ما يعجز الواحد منا فيقرر التخلي عن فكرة الزيارة، ظنا منه أنه سيواجه بالداخل ما وجده بالخارج، مع أنه قد يكون قدم من مدن أخرى، وفوت يوم عمل كاملا، بينما الواقع هو أن داخل المعرض يستوعب أعدادا كبيرة وبمرونة ونظام متميزين، فما يحدث هو أن العدد الفعلي من الزوار يقل كثيرا عن العدد المتوقع والمقدر والمستوعب في تخطيط المعرض، والسبب هو الزحام في مواقف السيارات، حتى أن المرور يقوم بإيقاف الدخول للمعرض في أوقات مبكرة جدا مع أنه ما زال في الداخل يستوعب المزيد والمزيد.
هذا العجز المتكرر عن مواجهة الزحام المتزايد باضطراد، هو أمر لا يمكن تجاوزه ودمجه مع مشكلة الزحام والاختناق المروري المزمنة في الرياض، إذ إن المناسبات الخاصة تستحق التعامل معها باستقلال. وقياسا على مناسبة الحج السنوية، التي تعني استيعاب منطقة ضيقة كمدينة مكة والمشاعر المقدسة لملايين البشر، يعد ما يحدث في معرض الرياض للكتاب أمرا غير مقبول، كون الأمر قابلا للحل والتعامل معه، إذ يمكن على أقل تقدير النظر في موقع المعرض وتنظيم المساحات المجاورة، وإعداد مواقف للسيارات مكونة من طوابق، وهي عملية لا تتكلف الكثير من المال ولا الوقت حتى، في مقابل ما يمثله المعرض كأهم فعالية ثقافية تنجزها وزارة الثقافة، التي تحظى باهتمام خاص من الدولة، وبميزانية فضفاضة بالنسبة لمخرجات الوزارة من الأنشطة الملموسة.
فيما عدا ذلك يمكن أن نسجل حضورا أكبر لدور نشر عالمية، وإقبالا أكبر من القارئ على النتاج الثقافي الراقي، لكن مشكلتين نمطيتين نجدهما تتكرران هذا العام كالأعوام السابقة، فما زالت دور النشر المحلية قاصرة عن استقطاب المنتج الإبداعي المحلي، وما زال المبدع يحتاج ليقدم نفسه أن يضعه في إطار جهة نشر خارجية ليحظى بثقة القارئ، وهذه الثقة لم تستطع أن تفوز بها حتى جهات النشر الرسمية، كالأندية الأدبية ووزارة الإعلام، والتعليم العالي. وهذا يأتي على حساب المبدعين الذين يغامرون بتقديم نتاجهم عبر القنوات المحلية، رغم أن منشورات الجامعات على سبيل المثال تحوي كنوزا من الأبحاث والمنجزات العلمية المبدعة في مجالاتها، في مجلات الكليات المتخصصة، أو في دوريات متخصصة محكمة، أو حتى في منشورات مستقلة. وفي ظني أن هذه الجهات تتشارك مسؤولية التقصير في تقديم نتاجها وأنشطتها للقارئ، فمن يستطيع الحصول على منشورات الجامعات السعودية في مكتبات متاحة في كل وقت؟ نحن نجد منشورات لجامعة الكويت وغيرها من الجامعات، في سلاسل موثقة متاحة على أرفف المكتبات الكبيرة، وهي قدمت الكثير من النتاج الفكري المميز الذي يجب أن يمرر للقارئ العربي في أي مكان، وليس عبر مكتبات الجامعة بأوقاتها المحدودة وشروط استعمالها الخاصة، والمفكر الكبير محمد عابد الجابري أحد هؤلاء الذين وصلوا للقارئ العربي والعالمي عبر قنوات أكاديمية، استطاعت أن توظف النشر بفعالية، وليس بوصفه ديكورا تتزين به الجامعات في المناسبات الخاصة النادرة.
هل أذكر على سبيل المثال أبحاث الأكاديميين التي يتكفلون بنشرها في دور أجنبية تخصصت في استقطاب العقول المبدعة؟ آخر ما اطلعت عليه ولفت انتباهي كتاب الدكتورة أميرة الزهراني، وهو عبارة عن رسالة علمية قدمت في جامعة الملك سعود، وحظيت بتقدير كبير تستحقه من المتخصصين داخل الجامعة، فأستغرب أن أجده على أرفف المركز العربي الثقافي، وليس على أرفف وزارة التعليم العالي مثلا. كيف يمكن لعمل حاز تقدير الأكاديميين في الجامعة نفسها أن يهدر ولا يحصل على موقع في مركز النشر لديها، مع أننا نجد عددا من الأعمال المنشورة لا تتضمن قيمة إبداعية تذكر، سوى مرتبة المؤلف وألقابه والمناصب التي شغلها في الجامعة. هذا مع عدم الحجر على حرية الكاتب في نشر نتاجه عبر أي قناة.
الأمر نفسه ينطبق على دور النشر المحلية، فهي غير قادرة على تمييز الجيد من الرديء، واختيار الأعمال المتميزة لتقدم نفسها للقارئ وتحوز على ثقته، فأي واحد منا لن يفضل البحث والتنقيب في دار نشر محلية عن نوادر المنجزات المتميزة وسط ركام من المستهلك والعادي، لن يفضل ذلك على التجول بين عدد هائل من العناوين الملفتة والثقيلة في دار نشر تدقق في اختياراتها، وتوظف لجنة من الباحثين لاختيار الأعمال المقدمة للنشر، ودراستها ودراسة خارطة توزيعها واستقبالها لدى الجمهور. على دور النشر المحلية أن ترتقي بالنشر إلى أن يكون مهنة احترافية، وحتى تجارة محترفة، يتم التخطيط لها بتوظيف العقول المتخصصة، والخطط المرحلية المتأنية والمدروسة، ودراسة السوق وقيم الاستهلاك ومعاييره، فكل تجارة ينبغي أن تمر بمرحلة تعلن فيها عن نفسها وتكتسب ثقة المستهلك، ومن ثم تقفز إلى مستوى الربح، وتحقيق رسالتها أيٍ كانت.
في الختام أجد نفسي مجبرة على تسجيل تقدير خاص لدار نشر محلية تترك كل عام بصمتها التي لا يخطئها القارئ. تقدير تستحقه دار المفردات للنشر، بالرياض، رغم الاعتقاد الذي سيتبادر لبعض النفوس المأزومة حول طبيعة الدافع، فكل من يمر بموقع تلك الدار لن تفوته ملاحظة عنايتها بتشجيع الإبداع والتجريب المحلي، من خلال مبادرتها الملحوظة لتبني الكثير من الأقلام في تجاربها المبكرة، والأخذ بيدها نحو مواجهة الجمهور والتفاعل معه، كمرحلة ضرورية للتطور وتجاوز الذات. لست وحدي من حظي بعناية العقل والقلب المدبر في تلك الدار، ومتابعته الشخصية بالقراءة والنقد والتقييم، الأستاذ الوالد عبد الرحيم الأحمدي، وهذه العناية ينبغي ألا تمنعني من قول كلمة تقدير يستحقها. "ميادة زعزوع، أسماء الزهراني، عبد الواحد الأنصاري، إبراهيم الوافي، عبد الله الوشمي، غادة الخضير، هدى الدغفق، هدى المعجل... وغيرهم كثيرون"، أسماء قدمتها الدار في تجاربها المبكرة، واستطاع بعضهم تجاوز ذواتهم والقفز نحو مراتب متقدمة في المشهد الإبداعي المحلي والعربي.
asma@alzahrani.com