رحيل المنصور والجشي.. هل تموت الرموز ؟!!
في الأسبوع الماضي، أخذ الضباب عنا بهدوء وصمت، الشخصية الوطنية الكبيرة، الشاعر و (وكيل الوزارة) المدير العام السابق لشؤون العمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عبد الرحمن المنصور(أبو محمد). يعتبر الفقيد الراحل في نظر العديد من النقاد، الرائد الأول لشعر (التفعيلة) الحديث في المملكة، ومن بين قصائده المبكرة قصيدة " أحلام الرمال " التي نشرها في عام 1952في العدد الأول من مجلة اليمامة ألتي أسسها ورأس تحريرها الراحل الكبير الشيخ حمد الجاسر، كما نذكر قصيدته المشهورة "المحراث" التي تدور حول معاناة العمال والفلاحين والكادحين. الراحل عبدالرحمن المنصور المولود في الزلفي بمنطقة نجد عام 1920 ،كان من أوائل الخريجين الحائزين على شهادات عالية (البكالوريوس ثم الماجستير) من جامعات مصر، وبعد عودته الى المملكة في عام 1954، التحق بمصلحة العمل والعمال ،حيث عين مفتشا عاما، وتدرج في وظيفته إلى أن وصل إلى منصب مدير عام شؤون العمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وتم في عهده و تحت إشرافه، صياغة أول نظام للعمل والعمال في السعودية، حوى آنذاك العديد من البنود التقدمية والمنصفة لحقوق العمال والمستخدمين. وبعد ذلك آثر أن يعيش حياة العزلة والانكفاء، وكانت هذه العزلة مثل خسارة حقيقية لعطائه الوطني والفكري والإبداعي.
رحل الفقيد الراحل عن عمر ناهز 88 عاما وقد خلف العديد من الأبناء والبنات البارزين في مجال عملهم أذكر منهم المخرجة السينمائية المعروفة على النطاقين العربي والعالمي هيفاء المنصور.
مسلسل الأحزان لا ينتهي ،إذ بفارق بضعة أيام بينهما رحل عنا رمز وطني آخر، هو الشاعر الباحث، و الشخصية الوطنية السعودية الكبيرة عبد الله الجشي (أبوقطيف)، وكما يعتبر الراحل المنصور رائدا للشعر الحديث في المملكة ،فإن الجشي يعتبر أحد الرواد المبرزين في الشعر
(العمودي) الكلاسيكي ،على الصعيدين المحلي والعربي، وله العديد من الدواوين الشعرية أذكر منها ديوان " الحب للأرض والإنسان" إضافة إلى الدراسات النقدية والبحوث التاريخية المنشورة وغير المنشورة. ولد الراحل عبد الله الجشي في مدينة القطيف وهو ينتمي إلى أسرة معروفة
(تربطني معه صلة نسب وطيدة من جهة والدتي التي من نفس العائلة) لها امتداداتها في دول الخليج، وقد تسلم والده الشيخ علي الجشي، شؤون القضاء في منطقة القطيف بعد وفاة الشيخ علي الخنيزي. ومع أن التعليم الذي تلقاه فقيدنا الراحل كان في الأساس دينيا، مما يؤهله ليكون رجل دين غير أن ميوله وموهبته الأدبية والشعرية المبكرة واحتكاكه بالتيارات الفكرية الثقافية الحديثة، وبالحراك الاجتماعي التي كانت تزخر بها المدينة في تلك الفترة على الرغم من الطابع المحافظ التي تتمظهر فيه، هو ما دفعه لتغيير مسار حياته ليتفرغ للشعر والأدب.
نال فقيدنا الراحل العديد من الجوائز والأوسمة التقديرية، على الصعيدين المحلي والعربي، وقد كرمته الجامعة العربية في مهرجان الرواد العرب، كما كرم في مهرجان الجنادرية في عام 2005 ، حين تسلم وسام الملك عبد العزيز(الذي يعد أرفع وسام في المملكة) من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. لقد عرف فقيدنا الراحل بإنتمائه الوطني الأصيل الذي عكسه في العديد من نتاجه الأدبي والشعري وفي نثرياته كما في حياته الشخصية حيث أطلق على ولده الوحيد اسم " قطيف "، وعلى ابنته الوحيدة أسم " يمامة " ،وقد علق على ذلك بقوله انه لو رزق ابنا آخر لأسماه " ثقيفا " كناية عن مدينة الطائف أو ابنة أخرى لأسماها " طيبة " مدينة الرسول. ما جمع بين الراحلين المنصور والجشي، أكثر من قاسم مشترك، فقد كانا يعملان معا في مصلحة العمل والعمال (قبل أن يتغير مسماها إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية) بل وفي نفس القسم ،كما جمعتهما المشتركات الفكرية / الثقافية والريادة في الشعر، رغم اختلاف أدواتهما الشعرية، وفي فبراير عام 1964 جمعتهما المحنة المشتركة، في مكان واحد لمدة ثلاث سنوات، وأخيرا تشاركا في الرحيل في نفس الأسبوع تقريبا.
ما يبعث على مزيد من الأسى، أننا نفتقدهما ومن سبقهما من الرواد والفاعلين في الحراك الوطني / الثقافي في بلادنا والمنطقة الخليجية عموما، كوننا نعيش وسط عالم يواجه العنف، التطرف، الجهل، التجهيل، تزييف الوعي، و العقول،
وتفشي و تصاعد ممارسات الإرهاب المادي والرمزي بكل صنوفه واشكاله وخصوصا ما تمارسه خفافيش الظلام ,أعداء الحرية والكلمة الصادقة، الذين يسعون جاهدين لوأد ثقافة التنوير، العقلانية، و التقدم ,الحداثة التي عمل وضحى وكابد الراحلان ومجايلوهما لترسيخها في المجتمع. رحم الله الفقيدين بواسع مغفرته فقد كانا يمثلان ويعبران بصدق ونبل عن الضمير والوجدان الإنساني والحضاري للوطن والشعب.