التقنية الحديثة بين جدل المادة والروح
المادية هي التعبير الخارجي عن الحركية الإنسانية، بينما تبقى الروح مرتبطة بالمكنون الفكري والحسي الذي يبقى داخل الفرد. والإنسان مزيج من المادة والروح، فهو ينزع للاستمتاع بالحياة المادية وبما أنتجته من تقدم ورفاهية، لكنه في نفس الوقت لا يجد كل ما يريده في ذلك بل يحس بنوع من الخواء إذا جعل جل اهتمامه يتركز على نوازعه المادية. لأنه لا يستطيع التجرد من إنسانيته التي ترتبط بمكونه الروحي، فيظل يجنح بسلوكه إلى الأخلاق الدينية في الكثير من شؤونه لتحقيق نوع من التوازن بين فرديته المادية ومكونه الروحي.
ومن المسلم به أن التطور الإنساني في العصور الحديثة تأثر بشكل أكبر بالجانب المادي الذي طغى على الجوانب الأخلاقية. وهذا في الحقيقة في صلب نمط الحياة المدنية المرتكزة على تجليات الحضارة الغربية بشكل أكبر، من حيث تركيزها على المنجز المادي. فالرأسمالية الغربية التي تعتبر قاطرة التقدم والتحديث المادي في القرون الثلاثة الماضية، بشهادة أنصارها وخصومها على حد سواء، تغفل بشكل واضح الجوانب الروحية والأخلاقية إزاء غرقها في الجوانب المادية، بما لذلك من إسقاطات كبيرة على الجانب الأخلاقي للحياة البشرية حيث أضّر بها بشكل واضح وملموس. ومع تفاوت المجتمعات البشرية في هذا الجانب، عطفاً على تباين انضباطها القيمي، إلا أن السمة الغالبة على المجتمعات البشرية هي السير في هذا الاتجاه مبتعدةً بالتالي عن جانب السمو الأخلاقي.
استحضرت هذه المقدمة بعد أن قرأت خبراً عن تزايد الاستخدامات غير الأخلاقية للتقنية الحديثة، على وجه الخصوص تقنية "البلوتوث" التي توفرها أجهزة الجوال الحديثة. فقد ذكرت جمعية حقوق الإنسان، بناء على دراسة أجريت مؤخراً، أن 85 في المئة من الفتيات يستخدمن البلوتوث بشكل سلبي وأن 99 في المئة من الرسائل المتبادلة بينهن تجاوزت حاجز الأعراف والأخلاق المقبولة. وأعتقد أن نفس الخلاصة تنطبق على استخدام الشباب لها. كما أشارت الدراسة أيضاً إلى أن نحو 57.4 في المئة من الذكور و63 في المئة من النساء كان الاستخدام السيئ للأنترنت سبباً في انفصالهم. وإذا سلّمنا بعلمية ومصداقية هذه الأرقام فبلا شك أننا أمام تحد جلل في ما يتعلق بحياتنا الأسرية وسعادتنا الحياتية بشكل عام.
مصدر الغرابة هنا لا يكمن في التحديات التي يفرضها التطور التقني، لأنها أصبحت من المسلمات. وما ينطبق على وسائل الاتصال ينطبق أيضاً على وسائل الإعلام الفضائية التي لا يقل بعضها في مضاره عن ما ذكرته هذه الدراسة. لكن المشكلة تكمن، من وجهة نظري الشخصية، في النسب الكبيرة التي توصلت لها هذه الدراسة، وأن عدداً كبيراً من الأفراد يقع ضحيةً لهذا النوع من الاستخدام السلبي للتطور التقني. هنا يأتي دور التوعية والتربية الأسرية والمجتمعية بشكل عام للحد من تفشي مثل هذه الظواهر. ونحن قرأنا وسمعنا وتابعنا الكثير من القضايا الأخلاقية المشابهة التي دارت في أروقة المحاكم ودوائر الشرطة بسبب كسرها لحاجز المحرمات في المجتمع. المسؤولية الأخرى تقع على من يسن القوانين، حيث يجب وضع ضوابط قانونية غير قابلة للتجاوز من ناحية، وصارمة من ناحية أخرى، كي تصبح رادعاً قانونياً يكمل الضابط الأخلاقي الذي يجب أن تضطلع به الأسرة والمؤسسات المجتمعية الأخرى. ونقطة البداية في هذا الجانب هي أن يبدأ الفرد بنفسه والأقربين له، فكثيراً منا يمتلك ويستخدم التقنية الحديثة بتجلياتها المختلفة، لكننا نتفاوت في التزامنا بالمسؤولية التي تفرضها أخلاق وأعراف المجتمع النابعة من نسقه القيمي، بما يشكل ضابطا أخلاقيا ورقيبا ذاتيا على سلوك فردي يشكل في مجموعه النهائي سلوك مجتمع بكامله.
knhabbas@hotmail.com