فرص انقاذ ضحايا السيول ضئيلة للغاية
أودية عسير.. مأساة عنوانها «الموت غرقا»
فهد الرياعي ـ عسير:
بين جمال الماء وهاجس الموت الذي ينضح به في بعض الاحيان خيط رفيع قد لايدركه الانسان في لحظة استغراق في التأمل في ذلك الجمال المحفوف بالمخاطر. فمواقع السيول والغدران بمنطقة عسير تجمع بين المتناقضات وهي مغرية لجذب الباحثين عن متعة الروح في احضان الطبيعة لكن قد يكون بين ثناياها الموت الزؤام. لعسير خصوصية خاصة تميزها عن غيرها من مناطق المملكة من حيث النواحي الجغرافية التي تجمع بين الجبال الشاهقة والسهول والاودية السحيقة والاراضي شبه الصحراوية.. وكمية الامطار التي تهطل عليها تختلف من ناحية الكم وسرعة جريان السيول بإختلاف حدة انحدار الاودية وطولها وارتباطها بقمم الجبال التي يربو ارتفاعها على “5” الآف قدم. واستطاع المواطن في منطقة عسير قديما وحديثا التعايش مع بيئته الجنوبية القاسية وارتبطت حياته منذ القدم بالمطر الذي بات جزءا من حياته فعينه تراقب السماء صباحا ومساء ولسانه يلهج بالدعاء لطلب الغيث حتى تخضر الارض وينبت الزرع مع ان الامطار وما تتبعها من سيول تبقى جانبا من معاناتهم ومصدر قلق لهم. مع المطر تتعدد الصور الجمالية في عسير وتتدفق اوديتها بما ينفع الناس ويرسم صورة تكسب المشاهد الكثير من المتعة إلا أن من الجمال ما قتل.
ممارسات خاطئة
ونظرا للاقبال الكبير على أودية عسير من قبل المتنزهين في فصل الشتاء تبرز العديد من المخالفات والممارسات الخاطئة من بعض الأسر والاشخاص التي قد تتسبب في كوارث “لاقدر الله” ولايختلف كثيرا اذا كانت تلك الممارسات صادرة من فرد أو مجموعة أفراد لانها في النهاية تمس روحا بشرية في حال حدوث مكروه.
ومن أخطر تلك الممارسات التنزه في الاودية بدون تحسب لما قد تأتي به خاصة وان اودية عسير تأتيها السيول منقولة من قمم الجبال دون ان يعلم من في اسفل الوادي بقدومها لتشكل بذلك خطرا كبيرا يجرف معه كل ما يقابله. المواطن ياسر القحطاني “أحد هواة الرحلات البرية” يروى تجربة قاسية تعرض لها مع بعض اصدقائه قائلا: كنا نتنزه بأحد أودية ضلع وكان الجو صحوا حينما تفاجأوا بنداء توجهه دورية للدفاع المدني عبر مكبر الصوت لتحذيرهم من خطر محدق لكنهم تراخوا في التجاوب من النداء وظلوا بالوادي الى ان سمعوا بعد حوالى ربع ساعة دوي صوت قوي ولم تمض سوى دقائق معدودة على خروجهم من الوادي حتى سيل عرمرم اغراضهم وادركوا حينها ان امطارا غزيرة هطلت على مناطق السراة وسالت على اثرها الاودية بدون ان يشعروا بذلك.
مجازفات خطيرة
ومن المظاهر السلبية الاخرى اصرار البعض على عبور الاودية بسياراتهم بدون مراعاة للمخاطر التي قد يتعرضون لها اعتقادا منهم بأن السيل لايمكن ان يجرف السيارات ذات الدفع الرباعي حيث روى محمد الشهري تجربة مريرة كادت ان تفقده وبعض اصدقائه حياتهم.. وقال انه اصر على قيادة سيارته عبر واد اثناء جريان سيل فيه ورفض جميع محاولات اقناعه بعدم المغامرة.. لكن السيارة تعطلت في منتصف الوادي وجرفها السيل الى ان علقت في صخرة ومن ثم تم انقاذهم بصعوبة بالغة من موت محقق. تشير الاحصائيات الى ان الغرق في اودية عسير هو الاكثر بين حالات الغرق الاخرى بالمنطقة.. ومعظم الضحايا من صغار السن الذين لايجيدون السباحة وتتراوح اعمارهم ما بين “7” و”15” عاما.
كارثة ضلع
أكثر كوارث الغرق ايلاما في المنطقة كارثة اودت بحياة “26” شخصا ابتلعتهم السيول في وادي ضلع ومنهم اطفال ونساء ورجال مسنون عام 1425هـ حيث سحبت سيول منحدرة من أعالي الجبال عددا من السيارات. ومن حوادث الغرق المؤلمة غرق “3” طلاب لايزيد عمر اكبرهم على (14) عاما عندما شدهم منظر الماء في بركة اثناء توجههم لمدرستهم واندفعوا للسباحة في البركة التي التهمتهم ليلفظوا انفاسهم الاخيرة فيها.
وغرق شاب “سوداني الجنسية” في مستنقع حاول السباحة فيه بوسط مدينة محايل.
كما غرق طفل في واد بمحافظة بلقرن وشهد سد عتود غرق شابين شقيقين بعد ان اندفع احدهما للسباحة في مياه السد رغم عدم اجادته لفنونها وحينما شارف على الغرق استغاث بشقيقه ليغرقا معا. اما وادي حلي فيعتبر من اكثر اودية المنطقة التي تشهد حالات غرق.. فقد شهد غرق “3” طلاب في بحر أبو سكينة بعد ان جذبهم الوحل لبطن الوادي الذي يتميز بمناظره الخلابة وتجري المياه فيه طوال العام مما يجعله دائم الخضرة وتنتشر حوله العديد من المزارع ومع ذلك يظل خطر الغرق فيه ماثلا ما لم يلتزم الجميع خاصة المتنزهين بإشتراطات السلامة.
كما ان غدير المحتطبة بالسودة من أجمل غدران المنطقة ويشهد اقبالا كبيرا من المتنزهين الشباب رغم صعوبة الوصول اليه بالسير على الاقدام هبوطا وصعودا بين شعاب وصخور ومنحدرات حادة فإن جماله يصبح قاتلا في بعض الاحيان فقد غرق فيه “3” شبان خلال عامين.وكذلك شهدت مراكز القحمة والبرك والحريضة حالات غرق مماثلة ضحاياها في الغالب من الاطفال والشباب.
مهمة صعبة
مدير الدفاع المدني بمنطقة عسير اللواء سعد الحارثي يحذر من ان فرص نجاة الاشخاص الذين تجرفهم السيول تعد ضئيلة للغاية وانقاذهم من اصعب المهام التي يواجهها رجال الدفاع المدني ولذلك على جميع المواطنين والمقيمين اتباع ارشادات السلامة وتوخي الحيطة والحذر في موسم الامطار وعدم المجازفة بالارواح.
ويرى ان اغلب حوادث موسم الامطار تقع نتيجة للمجازفة بإجتياز الاودية اثناء جريان السيول او التخييم والافتراش او النوم ليلا في بطون الاودية.