ما لم تقله مقالة «العالم بدون الإسلام»
إن ما لم يشر إليه جراهام فوللر في مقالته (العالم بدون الإسلام)، هو لو لم يوجد الإسلام فهل وصل التمدن الإنساني برمته إلى ما وصل إليه اليوم، بما في ذلك التمدن الغربي نفسه، ويكفي الإشارة هنا إلى نص مهم للغاية نقله محمد إقبال في كتابه (تجديد التفكير الديني في الإسلام)، لأحد المؤرخين الأوروبيين وهو يتحدث عن الزمن الذي ظهر فيه الإسلام على مسرح التاريخ، إذ يقول لقد بدأ حينئذ أن الحضارة العظيمة التي استغرق بناؤها أربعة آلاف من السنين كانت مشرفة على الزوال، ومن المرجح أن الجنس البشري كان سيعود إلى حالة الهمجية التي كانت في ظلالها كل قبيلة وكل طائفة عدواً لجارتها، ولا يعرفون نظاماً، ولا يتبنون لهم قانوناً، وكانت العقوبات القبلية القديمة قد فقدت سلطانها فأصبحت أساليب الحكم الإمبراطورية القديمة غير صالحة للتطبيق. ثم جاءت المسيحية بعقوبات جديدة فعملت على الفرقة والدمار بدلاً من الوحدة والنظام. كان عصراً مفعماً بالفجائع، وباتت الحضارة أشبه بدوحة هائلة كانت أوراقها قد ظللت العالم، حملت فروعها ثماراً ذهبية من الفن والعلم والأدب، وقد أخذت الآن تترنح وتتمايل لأن ساقها أصبحت لا تتغذى بالعصارة المتدفقة من الإخلاص والإجلال، بل وصل التعفن إلى لبابها، ومزقت الحروب أوصالها، وأصبح لا يمسكها معاً إلا خيوط من عادات وقوانين قديمة قد تنقطع في أية لحظة.
ويستطرد الكاتب فيقول إن العالم بات مفتقراً إلى ثقافة جديدة تحل محل ثقافة العرش ونظم الوحدة التي كانت تستند إلى قرابة الدم. ثم يقول: ومما يبعث على الدهشة أن تقوم ثقافة كهذه في جزيرة العرب في نفس الوقت الذي اشتدت فيه الحاجة إليها.
ويعلق إقبال على هذا الرأي أن هذه الظاهرة ليس فيها ما يثير العجب، فالحياة الدنيا ترى بالفطرة ما تحتاج إليه، وتحدد الوجهة التي تتجه إليها في أوقات أزماتها، وهذا هو الذي نسميه في لغة الدين الوحي النبوي، ولهذا كان أمراً طبيعياً أن يشرق نور الإسلام بين قوم سذج لا يعرفون شيئاً من ثقافات العالم القديم، وتقع بلادهم في رقعة من الأرض تلتقي فيها قارات ثلاث، وتجد الثقافة الجديدة في مبدأ (التوحيد) أساساً لوحدة العالم كله. وما يجب الالتفات إليه أن هذه المواقف والتصورات المادحة والمذكرة بأمجاد الماضي، لا ينبغي أن تبعث فينا السكون، وتسلب منا الحركة، وتولد فينا الخمول، وتمتص منا المثابرة. وهذا ما تنبه إليه في وقت سابق مالك بن نبي الذي ميز موقفه تجاه كتابات المستشرقين الغربيين المادحة للحضارة الإسلامية، بين ما كان عليه في الخامسة عشر والعشرين من عمره، وبعد أن تجاوز الستين، حيث إنه أكثر من ذي قبل في تقدير موقفه تجاه تلك الكتابات لا في النطاق الشخصي فحسب، بل في النطاق الشامل للمجتمع الإسلامي، فرأى أن مساوئ ذلك النمط من الكتابات أكثر من حسناته، من جهة آثاره النفسية، موضحاً ذلك بالمثال التالي إننا عندما نتحدث إلى فقير لا يجد ما يسد به الرمق في يومه، عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إنما نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه، بوسيلة مخدر يعزل فكره مؤقتا وضميره عن الشعور بها، إننا قطعاً لا نشفيه بهذه الطريقة، وكذلك لا نشفي أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه.
ويبقى السؤال مفتوحاً أين هو موقعنا اليوم في العالم؟ وهذا ما ينبغي أن تثيره فينا مقالة فوللر.
almilad@almilad.org