على خفيف
المفترشون..!!
كلما أرادت وزارة النقل تنفيذ أو توسعة طريق بين المدن والمحافظات، بعد أن تكون تلك الطريق قد التهمت، لضيقها أو لسوء مسالكها، عشرات أو مئات الأرواح عبر حوادث قاتلة تنشر الصحف المحلية أخباراً عنها، وفيما تكون الوزارات تناضل من أجل توفير اعتمادات مالية لتنفيذ مشروع الطريق وتعقد لجانها جلسات لوضع المواصفات وترسية المناقصات وإعداد العدة لبدء التنفيذ، فإنها تفاجأ بخروج ملاك على جانبي الطريق سمَّاهم أحد المثقفين البارزين باسم «المفترشين» قياساً بمن يفترشون في الحج والعمرة ساحات الحرمين الشريفين، إلا أن هذا النوع من المفترشين يفترشون مئات الكيلومترات على جوانب الطرق وكل واحد منهم باسط ذراعيه بالوصيد، فإن بلغ مسامعه نبأ الطريق الجديدة الموشكة على التنفيذ أخرج صكه وصكَّ به وجه الوزارة مطالباً بتعويضه عما سوف يُستقطع من أرضه، وقد تكون بعض تلك الصكوك حديثة الولادة لا يزيد عمرها عن سنوات قليلة، لأنها ولدت متزامنة مع بدء الحديث عن مشروع تنفيذ أو توسعة طريق ما تصل مدينتين بعضها مع بعض. فإذا جمعت الوزارة تلك الصكوك وقدرت تعويضات لكل صك فإن مجموع التعويضات تبلغ في بعض الأحيان أضعاف ما اعتمد للمشروع من أموال، فتبدأ وزارة النقل معركة جديدة تُعطل المشروع سنوات عديدة لأنها إن اعترفت بتلك الصكوك وقررت صرف تعويضات لأصحابها فإن عليها إقناع وزارة المالية بصرف مئات الملايين للتعويضات والأمر نفسه يحتاج إلى موافقة الجهات العليا لاعتماده، وترتيبه يتطلب عقد اجتماعات للجان يأخذ بعضها برقاب بعض فإذا اعتمدت التعويضات وبدأ صرفها فإن المقاول الذي قبل بالمبلغ المخصص لتنفيذ أو توسعة الطريق يكون قد انقلب على عقبيه وأعلن أن الدنيا تغيرت والأسعار ارتفعت وأن التكاليف السابقة المقدرة للمشاريع غير مقبولة، فيدخل المشروع في نفق آخر بحثاً عن رفع تكاليف التنفيذ أو خفض المواصفات والشروط لينفذ بطريقة سيئة، أما إذا لم تعترف وزارة النقل بصكوك المفترشين فإنها ستدخل معهم في قضايا قد يتعطل خلالها المشروع ردحاً من الزمن، وربما تخرج الوزارة خاسرة وتلزم بدفع تعويضات للمفترشين كما حصل أخيراً عندما ألزم ديوان المظالم الوزارة بتعويض أصحاب الصكوك الممتدة على خط جدة ـ الليث وتكون التعويضات على حساب مشاريع أخرى كانت الوزارة تنوي تنتفيذها لصالح الوطن والمواطنين!