هندسة الموافقة.. كيف يجعلون العالم يريد اتباعهم
"الحقيقة ستحررك" حكمة عظيمة ومهمة خاصة في عالم اليوم الذي يشعر فيه الكثيرون أنهم مقيدون بأنماط من التفاعل ليسوا راضين عنها، لكن في نفس الوقت لا يريدون التخلص منها رغم أنه لا مصلحة لهم فيها، ولفهم أصل المعضلة يجب العودة إلى الشخصية التي ينسب إليها صياغة النمط الحضاري والسياسي الذي يسود العالم ومهد للعولمة، الأمريكي "إدوارد برنيز" الذي عمّه عالم النفس الشهير سيجموند فرويد، فقد تأثر برنيز بأفكار عمه حول اللاوعي مستودع الغرائز والدوافع البدائية اللاعقلانية، ورأى أنه يمكن استعمالها لبرمجة التوجهات العامة عبر صياغة أنماط إعلانية إعلامية إدراكية تجعل الجماهير ترغب وتسعى لفعل ما يريدها أن تفعله ولو أنه لم يكن لها حاجة أو مصلحة في فعله، وهذا ما أسماه بـ(هندسة الموافقة- (The Engineering of Consentواستعان به الرؤساء وأرباب الصناعة، والمفارقة أنه، وهو اليهودي، استعمل النازيون تقنياته لبرمجة الشعب الألماني لمعادة اليهود، وكما روى برنيز، فجوبلز وزير الدعاية النازي المسؤول عن تلك الحملة، كان يقتني كتبه وطبقها لبرمجة الجماهير عبر استغلال النزعات الغرائزية اللاعقلانية كالخوف والعدوانية، والمثال الشهير الآخر لتأثير برنيز، هو تدخين النساء، ففي بدايات القرن الماضي كان تدخين النساء من المحرمات في الغرب، فلجأت إليه شركات التبغ لكي يجعل التدخين مقبولا لدى النساء والمجتمع، وبالرجوع لأفكار عمه عرف أن للسجائر دلالة جنسية ذكورية ولكي يجعلها مقبولة لدى النساء يجب أن يربطها بصورة ذهنية تمثل الدلالة الرمزية الذكورية، وكانت الاستقلالية والتحرر، فقام في المعرض السنوي بنيويورك (1928) باستئجار مجموعة من العارضات وطلب منهن عند إشارته إشعال السجائر، واتصل بالصحافة وقال إن مجموعة من نساء المجتمع سيقمن باحتجاج في إطار حركة تحرر المرأة وسيشعلن السجائر كرمز للاحتجاج وأسمى السجائر "مشاعل الحرية" وعند إشارته أشعلت العارضات السجائر ودخنّها، وكان الخبر الرئيسي "النساء عبرن عن حريتهن واستقلاليتهن بإشعال مشاعل الحرية" ومن يومها انتشر تدخين النساء بتلك الرمزية.
وحديثا يعتبر وضع فلسطين وتسويق الحرب على العراق نموذجا لتطبيق "هندسة الموافقة" فالتوجه العام جرى وضعه في أطر دعائية وإدراكية مكذوبة لكي يجد العالم نفسه مجبرا على الموافقة، فتم الربط بين أحداث 11/سبتمبر والعراق، وحسب استطلاعات الرأي النسبة الأكبر من الأمريكيين يعتقدون أن العراق متورط فيها، وهذا مذهل، وقد تناوله بالتفصيل نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور في كتابه (العدوان على المنطق) حيث شرح كيفية استعمال الأمريكيين لمبادئ علم النفس والإدراك وصناعة الرأي العام لوضع الناس في أطر يعتقدون فيها أنه عليهم الموافقة على رغبات السلطة الأمريكية ولو كانت ضد مصالحهم، والتي وصلت في تجاهلها للحقائق ولمنطق "السبب والنتيجة" لحد مهين للمنطق السليم، والنتيجة ازدهار الإرهاب في العالم، وكان برنيز قد نظم حملة مماثلة لحملة تسويق الحرب على العراق، وذلك لتسويق الحرب على جواتيمالا (1953) لأن جواتيمالا أرادت إصلاح الوضع الاحتكاري لشركة فواكهه أمريكية. فإذن لكي يتحرر العالم من أوضاعه غير المرضية عليه أن يبحث لماذا يتصرف بالشكل الذي يتصرف به، والحقيقة ستحرره.
bushra.sbe@gmail.com