د. صدقة يحي فاضل
دولة كوسوفو
يمثل إعلان إقليم "كوسوفو" استقلاله يوم 17/2/2008//م (الموافق 10/2/1429//هـ ) عن صربيا، آخر مرحلة من تفكك جمهورية يوغسلافيا السابقة (التي أعلنت بتاريخ 29/11/1945//م) ذلك التفكك الذي بدأ بانفصال جمهورية سلوفينيا (يوم 25/6/1991//م). ولم تتمتع كوسوفو بوضع "جمهورية" في الاتحاد اليوغسلافي، بل اعتبرت إقليما صربياً، رغم أن غالبية سكان كوسوفو (90% منهم) هم من الألبان المسلمين (عدد سكانها حسب إحصائية عام 2003م حوالى مليوني نسمة، ومساحتها هي 10887كم).
وفي عام 1999م، شنت قوات الناتو هجمات جوية على صربيا، استمرت 78 يوماً، لوقف المذابح الصربية ضد الكوسوفيين (الألبان) كما كان "المبرر" المعلن.
وأرسل الناتو قوات (KFOR) تابعة للأمم المتحدة والناتو (للناتو حاليا 16ألف جندي في كوسوفو) لحفظ السلام.
وفي عام 1992م، انتخب الأكاديمي "إبراهيم روغوفا" رئيساً لجمهورية كوسوفو، التي أعلنت في ذلك العام، من جانب واحد (توفي روغوفا عام 2006م).
* * *
وتعارض صربيا (بالطبع) هذا الاستقلال.. معتبرة الإقليم (كما ورد في استفتاء جرى في أكتوبر 2006م) "جزءا لا يتجزأ من صربيا".. ومتذرعة بوجود أقلية صربية تقيم في كوسوفو (تعدادها حوالي 120 ألفا)، وباعتراف اتفاقية لندن المبرمة عام 1913م، للصرب بالسيادة على الإقليم. وتؤيدها روسيا لأهداف عرقية واستراتيجية معروفة، ولها علاقة وثيقة بمواجهتها مع أمريكا. بينما تؤيد الولايات المتحدة، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، استقلال كوسوفو، بعد فشل المباحثات التي تمت بين الصرب والكوسوفيين، حول وضع الإقليم النهائي.
ولحسم هذا الصراع، عقد مجلس الأمن الدولي، يوم 17/2/2008//م، عدة اجتماعات طارئة، لمناقشة مسألة استقلال كوسوفو.
وفيها ظهر انقسام المجلس إلى الدول الغربية الرئيسة، التي تؤيد استقلال كوسوفو، وروسيا وصربيا ودول أخرى قليلة، التي تعارض (بشدة) هذا الاستقلال، وتريد من الأمم المتحدة رفضه وإلغاءه.
ويستند المؤيدون إلى قرار سابق لمجلس الأمن (القرار 1244لعام 1999م) الذي من ضمن ما ينص عليه: وضع كوسوفو في مرحلة انتقالية.. تمهيداً لتقرير مصيرها النهائي لاحقاً.
فيمــا تقـــول صربيا: إن إعلان الاستقلال يخالف القرار المذكور ومبادئ الأمم المتحدة، التي تضمن وحدة وسلامة أراضي الدول الأعضاء بها.
* * *
وتهتم أمريكا بصفة خاصة بهذا الإقليم لموقعه الإستراتيجي، خاصة في مواجهة روسيا. لذلك، تدخلت وما زالت بقوة في شؤونه. وقد استغلت أمريكا انخراطها في شؤون كوسوفو، لتقول للمسلمين:
"ها أنذا أحارب لحماية مسلمي كوسوفو، ويجب أن يقدر المسلمون ذلك"..
ولكن التدخل الأمريكي المكثف هذا تم (ويتم) لحسابات أمريكية بحتة وخاصة، في المكان الأول والأخير.
ويقول بعض المراقبين: إن الخلاف الروسي الأمريكي بشأن كوسوفو، يعيد إلى الساحة الدولية أجواء الحرب الباردة بين الغرب وروسيا.
والواقع، أن هذه الأجواء عادت قبل قضية كوسوفو.. وتصاعدت بإعلان أمريكا إقامة شبكة الدرع الصاروخي في بولندا وتشيكيا.. التي تقول روسيا انها تهدد أمنها، بينما تدعي أمريكا أن إقامتها لتلك الشبكة هي لصد أي هجوم صاروخي إرهابي..؟!
وما زال الجانبان مختلفين حول تفسير القرار الأممي رقم 1244/1999/م، بشأن كوسوفو، وغيرها.
أمريكا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي ترى أن القرار، الذي شاركت روسيا بالموافقة عليه، يعني ضمناً بأن: استقلال كوسوفو ســـــيأتي مستقبلاً.
بينما روسيا ترى: أن القرار ينص على حكم ذاتي واسع تحت السيطرة الصربية..؟!
ومن المتوقع أن يــتزايد عــــــدد الدول التي تعـــترف باستقــــلال كوسوفو، وأن تحـــول قوات الناتـــــو المتواجــــــــدة في الإقلــــيم دون أي هجــــوم صـــــربي.
ولكن، لا يتوقع أن تنضم كوسوفو لألبانيا.. لتكوين "ألبانيا الكبرى"، حسب ما يعتقد البعض. إنها (على أية حال) دولة إسلامية جديدة، تولد من رحم أحداث جسام، وتصارع أسداً وذئاباً كاسرة، من أجل البقاء. وما أحرى العرب الآن أن يمدوا أيديهم لهذا الوليد الشقيق، بالدعم والمؤازرة. وما لدى العرب من هموم يجب ألا تنسيهم القيام بهذا الواجب.
ولا بد، في نهاية هذا الحديث عن يوغسلافيا وكوسوفو، أن نكرر التذكير بأن:
أهــــــــــــم أســــــــــــباب تفــــــــــــكك يوغسلافيا تنحصر في:
ســــــــــــوء تطبيــــــــــــق الديمقراطيــــــــــــــــــة والفيدرالية.
وتدخلات القوى الكبرى، التي ترى أن من مصلحتها تمزيق هذا الكيان أو ذاك.. متذرعة ببعض مبادئ القانون الدولي، التي تفسرها، في كل حالة على حدة، بما يتوافق وأهدافها.
إن ميثاق الأمم المتحدة يضمن "حق تقرير المصير"، وفى ذات الوقت يدعو: لاحترام وحدة وسلامة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.
وفى هذه الحالة، تم تغليب المبدأ الأول. وفى أغلب الأحوال، لا يتحقق الانفصال إلا بدعم من قوى عظمى أو كبرى، كما حصل في حالة كوسوفو هذه.