العدوان الإسرائيلي يتصاعد.. والرئيس الأمريكي لا يزال متفائلا ؟
تواصل آلة الحرب الإسرائيلية، منذ أسابيع وعلى نطاق واسع هجماتها الجوية والبرية في قطاع غزة، مستهدفة على حد زعم حكومة إسرائيل، معاقبة مقاتلي حركة حماس، وخصوصا مطلقي صواريخ القسام باتجاه الأراضي الإسرائيلية، علما بأن عمليات القتل والاغتيالات والتدمير لم تقتصر على قطاع غزة، بل طالت مناطق الاحتلال والشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية كافة. حيث ازدادت وتيرتها في مدن ومناطق الضفة الغربية، رغم عدم إطلاق أي صاروخ منها. متجاهلة ما أبداه الرئيس محمود عباس من حرص وتمسك الجانب العربي/ الفلسطيني بعملية السلام، رغم العقبات، والصعوبات الجدية، والنتائج الخطيرة الناجمة من استمرار وتزايد عمليات الاستيطان، القتل، القمع، الحصار الاقتصادي، التجويع، وتهديم المساكن، وتجريف المزروعات في الاراضي الفلسطينية.
وفي الواقع فإن الاجتماعات المتعددة التي ضمت الرئيس عباس، ورئيس وزراء إسرائيل أيهود أولمرت، برعاية أمريكية وتأييد عربي، ليس فقط لم تسفر أي تقدم في الموقف الإسرائيلي تجاه عملية السلام، بل كانت حافزا لاستمرار تعنت إسرائيل، واستمرار نهجها العدواني، وارتكاب مزيد من المجازر على يد قوات الاحتلال بقطاع غزة.. وهو ما سبب حرجا شديدا للرئيس الفلسطيني، ولمصداقيته وسط الشارع الفلسطيني والعربي، الذي يتنامى إحباطه وغليانه..
وهو يشاهد يوميا سقوط العشرات من القتلى والجرحى الفلسطينين، وغالبيتهم الساحقة من المدنيين، وبينهم الكثير من الأطفال، بل ولم توفر الصواريخ الإسرائيلية الشديدة الفتك حتى الرضع.
ونذكر هنا الرضيع محمد البرعي، الذي لم يتجاوز شهره السادس، وقد صرح وزير الحرب الإسرائيلي أيهود باراك بأن القوات الإسرائيلية تعد العدة لاجتياح شامل لقطاع غزة (التي يقطنها 1،4 مليون فلسطيني) التي انسحبت منها في عام 2005م..
في حين عززت حصارها و سيطرتها على الحدود البرية والبحرية والجوية و المنافذ الحدودية مع القطاع إلى جانب استمرار تحكمها في المياه والطاقة الكهربائية التي يتزود بها السكان. إزاء كل ما يجري يصرح الرئيس الأمريكي بأنه لا يزال متفائلا بتحقيق السلام قبل انتهاء ولايته.
كما سارع بإرسال وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للبحث في تحقيق هدنة لوقف إطلاق النار والعمل على استئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، في ظل عدم توقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل، والخشية من ردود الفعل، و تداعيات استمرار العدوان في الشارع العربي. ما يبعث على الإحباط هو موقف النظام العربي الرسمي، إزاء العدوان الهمجي الذي يتعرض له أهلنا في قطاع غزة، والذي اتسم بالعجز، واكتفى كالعادة بالشجب والاستنكار، مما بات معه يفتقد إلى المصداقية والثقة من قبل قطاعات واسعة ومتنامية في الشارع الفلسطيني والعربي.
وخصوصا في ظل غياب الحد الأدنى للتضامن والتنسيق بين مكوناته، وما يعتريه من صراعات واستقطابات حادة، بامتداداتها الإقليمية والدولية. غير أن الموقف العربي المتخاذل إزاء العدوان لا ينفي المسؤولية الفلسطينية المباشرة عن حال التردي والانحدار والذي يتمثل قبل كل شيء في الانقسامات الخطيرة في الشارع الفلسطيني، نتيجة تصاعد التنافس والصراع بين الفصائل الفلسطينية، وخصوصا بين حركتي حماس وفتح، والذي بلغ ذروته في القتال الضاري بين مسلحي الحركتين في شهر يونيو الماضي، وما أسفر عنه من استيلاء حركة حماس على مقاليد السلطة في قطاع غزة، واعتبارها أرضا محررة، مع أن النتائج على الأرض، تبين بأن معاناة السكان في القطاع الذين يطحنهم الفقر، البؤس، والبطالة قد ازدادت سوءا، نتيجة انقلاب حماس، وما نجم عنه من مقاطعة وحصار اقتصادي وسياسي وامني.
في تقديري بأن الاستمرار في إطلاق صواريخ القسام الضئيلة الأثر والتأثير (باستثناء تأثيرها المعنوي) بدوافع سياسية وأيدلوجية ودعائية لن يؤدي إلى تغير فعلي في موازين القوى على الأرض، أو يشكل رادعا لإسرائيل من الاستمرار في عدوانها الهمجي، على غرار ما حصل مع صواريخ ومقاتلي حزب الله في حرب تموز 2006م، نظرا لاختلاف المعطيات والظروف.
تلك الصواريخ (القسام) التي بالكاد أصابت بضع أفراد من المدنيين ،استغلتها إسرائيل لإطلاق يدها بحرية ،كي تصول وتجول، وتمارس مزيدا من القتل والتدمير في الأراضي المحتلة بدون استثناء. الرد على العدوان، ومجابهته وإفشاله يتطلب قبل كل شيء ،استعادة وحدة واستقلالية القرار الفلسطيني وتغليب المصالح الوطنية العليا ،ونبذ وتحريم الاقتتال بين الفصائل تحت أية ذرائع سياسية وأيدلوجية ،أو منافع فئوية أنانية والابتعاد عن سياسة الارتباط بالمحاور الإقليمية والدولية. ما هو مطلوب هواستعادة الوحدة الوطنية الراسخة على قاعدة التمسك بالثوابت الوطنية، المتمثلة في استعادة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، في إقامة دولته الوطنية المستقلة، من خلال تنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242 و338، القاضية بجلاء الاحتلال عن جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في عدوان حزيران 67م، وضمان حق العودة لللاجئين الفلسطينيين ،وفقا للقرار ألأممي 195. هذه المبادئ هي مفتاح السلام الحقيقي في المنطقة وهو ما أكدت عليها المبادرة العربية للسلام، التي يتطلب تفعيلها استعادة الوحدة والتضامن العربي المشترك. التفاؤل هنا، ليس تصريح وتمنيات الرئيس الأمريكي بوش، بل في المقام الأول هو وحدة الموقف والتضامن الفلسطيني والعربي، وللأسف الشديد ليس هناك في الأفق ما يبعث على التفاؤل.