الانسان معدن نفيس وان خاض تجربة الشذوذ
الانسان معدن نفيس, كلما تقدم العمر زاد بريقاً ولمعاناً, وما زلت اذكر مداعبة معلمي مدرس مادة التاريخ وكلمته التي ما زالت ذاكرتي تسترجع صداها حين كان يشرح الدرس ووجه لي سؤالاً وكنت وقتها شارد الذهن, ولم استوعب سؤاله ولم يكرره عليّ بل اقترب مني وقال: مالي اراك علي غير المعتاد - يقصد انني درجت الى مستوى منخفض في التحصيل ولم اتجاوب معه للرد على سؤاله واستطرد القول كنت كالعملة الذهبية وعرجت للفضة والآن لا تساوي اربعة قروش, وكانت عملة الاربعة قروش هي مصروف الطالب ذي مستوى المعيشي البسيط وهي عملة بفئة واحدة فإن فقدها الطالب او ضاعت منه مضى يومه يتضور جوعاً.
وكون الانسان معدناً نفيساً وانه لحب الخير الشديد فإن الاصل يبقى بطبعه في حب الخير وان شطَّ في سلوكه وتحول بمساره فإنه يعود لأصله بعد زوال المنغصات التي كدرت نفسيته وهي حالات آنية تحدث للانسان نتيجة ظروف مختلفة أو ضغوط الحياة لكنه ما يلبث يعود ادراجه الى الحضن المغذي لفطرته كإنسان ولا يمكن ان نقيّم الانسان لعثرة او زلة وقتية لأن الانسان بفطرته وهو يتعامل مع معطيات الحياة السلبية والايجابية يتأثر بردود فعل مختلفة ترتسم آثارها على محياه وتقاسيم وجهه ويختلف مستوى التأثير على الانسان باختلاف وتفاوت ثقافته وتجربته في الحياة ولو اردنا ان نمثّل على ذلك وبادرنا بنهر طفل فإن رد فعله سيأتي سلبياً ومتساوياً مع مقتضى ما استوعبه من الكلام فيرفض الاذعان والسكوت عن الرد بل سنسمع منه رد فعل سريع وغاضب وربما نسمع منه كلاماً فاحشاً ليؤكد انه انتصر بذاته ويشفي غليله, وعلى العكس من ذلك تماماً عندما نقترب من هذا الطفل ونقول له انك طفل مؤدب وكل زملائك يمتدحون سلوكك فإن رد فعله سيأتي متأخراً وربما يصمت عن الكلام وذلك بسبب ضعف مستوى ادراكه لما قيل له وان كان في قرارة نفسه استحسن الكلام والنعت الجميل الذي سمعه لكنه يعجز عن التعبير, ومثل هذا الكلام الجميل الذي يتعود الطفل على سماعه يزيده ادباً وينمي في نفسه حب الآخرين واحترامهم ولذلك تجد غرس الشارع “اطفال الشارع” يستوعبون الكلام البذيء وهم اكثر الاطفال شقاوة وشتائم بخلاف الاطفال الذين تعودوا على سماع الكلام الجميل بين ذويهم وأسرهم في المنازل فهم يتمتعون بأخلاق حميدو وسلوك رفيع حتى في تعاملهم مع الاطفال في الجانب النقيض.. ولكن لا يعني ذلك ان شذوذ من نهل من معين الشارع سيستمر على ذات النهج الشاذ, بل سيتغيّر سلوكه وكلما نما جسمه نما فكره وتوسعت مداركه وبدأ يبحث عن أصله الثمين فيعود لجذوره ويمتص من رحيق معدنه النفيس.
منصور مجلي - جازان