آثارنا جسد مثخن بالجراح.. وعلى الهيئة توثيقها وتصويرها
اطلعت على تعقيب نائب الأمين العام للآثار والمتاحف الدكتور علي غبان المنشور بهذه الجريدة يوم الثلاثاء 5/ صفر/ 1429هـ تحت عنوان “برامج استراتيجية لحماية المواقع الأثرية” وقد تضمن الرد توضيحا أدبيا جميلا لموقف الهيئة السياحية من مسألة الآثار.. ولقد اعجبتني جملة استثنائية في “سياق الرد” وهي: “الحد من التعدي على تراث الوطن” ويظهر لي ان الآثار من ضمن تراث الوطن وفق ما فهمته من تعقيب الدكتور الغبان الذي اشار اليه.. وأنا هنا لست مختصا في شأن الآثار ولا أكاد افقه من الآثار شيئا إلا ما تعلمته من مدرس التاريخ, ولكن رب حامل فقه ليس هو أفقه منه..
ان شجن الآثار في بلادنا جسد مثخن بالجراح فمنذ ان عرفت الآثار ورأيتها وهي في تدمير متزايد وتناقص مستمر, فطمر التوسع العمراني الكثير منها ثم جاء التعدي الصريح عليها واحتجزت بالأملاك الشرعية وغير الشرعية وتحولت من مشاع ثقافي الى حيز خاص.. ولم يحصل هذا منذ زمن بعيد يسقطه التقادم بل منذ فترة وجيزة جدا ولم نسمع باتخاذ اجراءات لحمايتها وظل التنظيم سائدا والجدل حاميا.. كيف نحميها؟ لقد فهم المعتدون على الآثار أثناء هذه النقاشات الحامية هذه القصيدة وادركوا كنهها السلوكي ومغزاها المعرفي واستخلصوا اخطر نتيجة وهي ان الهيئة لن تدخل في صراع مع “المواطنين” لحماية اراضي الآثار فقوة المواطنة وسطوة تفعيلها عبر الجهات الحكومية الاخرى “غير المستفيدة” من وجود الآثار جعل من عملية استباحة اراضي الآثار من أيسر الحقوق الممكن الحصول عليها...
ولك ان تشاهد التراث الطبيعي البيئي تنتظره الجرافات ليصبح مخططات سكنية, والتلال الأثرية ترزح تحت حظائر الأغنام والمواشي والشبوك.. فلقد شاهدت منذ بضعة أيام فقط عشرات الحظائر المسيّجة بالشبوك تحتل نحو 20 تلا اثريا منبسطة على مساحة 15 كم وعلى بعد 20 كم شمال مكة المكرمة بوادي ابو ضباع فهناك مذبحة ثقافية اثرية ضد الآثار وتلالها وكل ما يمكن تصوره حتى منع السياح من الوصول للمكان والكل اتخذ تحصينات لمنع أي قوة تنفيذية او حتى تنظيرية بسيطة لاتخاذ تدابير تؤثر على اصحاب الحظائر ومكتسبهم الخاص كما جلبت عليها المخلفات والصفائح الزنكية واختلطت الملتقطات السطحية كالفخار والرحوات وغيرها بالمخلفات في مشهد مؤلم... لقد صنعنا الحسرة في نفوسنا والالم ونحن على يقين انه لن تحصل معجزة تحفظ هذه التلال الاثرية والكهوف الصخرية الجميلة وما حولها من نقوش وتجعلها متنزها ثقافيا سياحيا سليما معافى ولكننا نريد من الهيئة فقط توثيقها وتصويرها ودراستها وحفظ الملتقطات المتبقية وايقاف تدهورها الثقافي على الأقل لحين الانتهاء من توثيقها وقبل استخراج الحجج الشرعية.. ولا اظن مثل هذا العمل سوف يدخل الهيئة في صراع مع المواطنين فهذا حق طبيعي يكفله النظام ولن يعترض عليه أحد.. ونحن نؤمل من هيئة السياحة مثل هذا واظنهم سوف يعملون ذلك فادارتهم ادارة فتية وشابة وتمتلك قدرا جيدا من الكوادر العلمية الفنية المختصة في الآثار والدكتور الغبان ممن يدركون اهمية هذه الاعمال ولديه خبرة ادارية ملائمة ولانريد ابدا ان يقال عنها انها من اختصاص الجهة الفلانية ولا علاقة للهيئة او كتابة طلب الافادة فهذا والله سيزيدنا حسرة! علما بأن نظام التطوير السياحي واضح وينص على عدم تغيير الوجهة السياحية والاثرية نهائيا.
عبدالعزيز بخاري - مكة المكرمة