أفـيـاء
النساء والسياسة
في بعض الأحيان تسيطر على الناس أفكار معينة فتحكم قبضتها على عقولهم فيخضعون لها، لا يحيدون عنها مهما أثبت لهم الواقع الذي يعيشون فيه فساد تلك الأفكار المتحكمة فيهم وأظهر بطلانها جلياً أمام أعينهم.
من هذه الأفكار الباطلة المسيطرة على أذهان بعض الناس، اعتقادهم عدم صلاحية النساء للعمل في السياسة، وأن المجال السياسي هو شأن ذكوري لا يحسن الخوض فيه سوى الرجال. ورغم أن السياسة عمل ذهني محض، يعتمد النجاح فيه على حسن التفكير، والمهارة في المكر والمراوغة، والبراعة في إتقان الشد والإرخاء حسب مقتضيات المواقف وما شابه ذلك من مهارات فكرية لا تتطلب جهداً عضلياً ولا قوة بدنية، ورغم القول الشائع بأن النساء ماهرات في الكذب والكيد والمكر والمخادعة، وهي صفات يتطلبها العمل السياسي الناجح، ويحتاج إليها السياسي البارع بين حين وآخر، رغم ذلك إلا أن كثيراً من الناس مازالوا يصرون على أن العمل في السياسة هو من الأمور التي يختص بها الرجال وحدهم وأن النساء يحشرن أنفسهم فيما لا يصلح لهن ولا يصلحن له، فهن رضين أم أبين غير قادرات على العمل في السياسة.
من هؤلاء الناس قارئ، أحترم رغبته في عدم ذكر اسمه، بعث إليّ برسالة طويلة ينتقد فيها نشاط المرأة الساسي بدءاً من هيلاري كلينتون ومروراً بـ«بنظير بوتو» وانتهاء بالوزيرات في بعض دول الخليج وأنهن حسب تعبيره «يكلفن أنفسهن ما لا يطقنه ويقحمن أنفسهن فيما لم يخلقن له». ثم ينهي رسالته بالثناء عليّ أني لا أكتب في السياسة، ويلوم إحدى الكاتبات التي «(تحشر) نفسها في الكتابة السياسية وتنسى أنها امرأة وأن الجميع يقرون أن المرأة غير قادرة على فهم السياسة التي تحتاج إلى ذكاء وتفكير الرجال».
لقد بقيت مترددة أمام هذه الرسالة، فأنا لم أستطع أن أتبين إن كان هذا القارئ جاداً في كلامه أم أنه أراد استفزازي ليس إلا؟ فأنا لم أفهم لِمَ أختار أن يوجه لومه للكاتبة السياسية عن طريقي ولِمَ لم يخاطبها مباشرة؟!
على أية حال، بالنسبة لي شخصياً قد يكون عزوفي عن تناول الشؤون السياسية هو أني لا أريد أن أقتل كما قتلت بنظير بوتو، أو أن أهزم كما قد يحدث لهيلاري كلينتون، أو لعلّي لا أريد أن أكون مجالاً للتندر كما هو الحال مع كوندوليزا رايس، أو الإسرائيلية ليفني، أما نماذج مثل ميركل أو تاتشر أو أولبرايت، فهي نماذج شاذة لا يُقاس عليها.
فاكس 4555382