خطر تشريع تجارة الأعضاء
هناك في هذا العالم قضايا يصعب التوصل فيها لحكم قاطع يضعها بشكل مثالي في خانة الأبيض أو الأسود، وقضية نقل الأعضاء هي إحدى هذه القضايا، فحسب قرار لمجلس الوزراء برقم (235) وتاريخ 16/ 9 /1427هـ تمت الموافقة على قبول تبرع الأحياء غير الأقارب بأعضائهم، لكن المقلق في القرار أنه أقر إعطاء "مكافأة للمتبرع بعضو من أعضائه أو جزء منه قدرها 50 ألف ريال" وتسمية مبلغ الخمسين ألفاً بأنه "مكافأة" لا يخفي حقيقة أنه يمثل تقريرا لثمن العضو المتبرع به، وهذا هو المحذور الذي لا زالت بقية دول العالم تضع القوانين لمنعه، وتجعل البرتوكولات الطبية العالمية معيارا لاعتبار التبرع بالأعضاء غير شرعي وغير أخلاقي، لأن الشخص عندما يقبض مقابلا لإعطاء بضعة من جسده فهذا يسمى بيعا لا تبرعا، وحتى في الدول التي يزدهر فيها بيع الأعضاء تمنع رسميا قوانينها دفع أي مبلغ مباشر للمتبرع تحت أي مسمى، وتوجب على المتلقي فقط توفير الرعاية الصحية اللازمة للمتبرع الحي، ولهذا كان إقرار مقابل مالي "للتبرع" بالأعضاء مستغرباً، لأنه حسب القوانين الحقوقية الإنسانية الدولية لا يجوز وضع ثمن على أي جزء بشري، حتى أنه لم يثر أي جدل على مستوى الإعلام والرأي العام، وبالطبع سبب هذا القرار ضعف المشاركة في برنامج التبرع بأعضاء المشخصين بالموت الدماغي مع العلم أنه كان يدفع مبلغ "مكافأة" لأسرهم بقيمة 50 ألف ريال، لكن تشريع قبول "تبرع" الأحياء غير الأقارب بأعضائهم مقابل مبلغ مالي مغر يفتح الباب على الكثير من المحاذير الأخلاقية، وبالطبع قلوبنا ودعاؤنا مع كل مبتلى بمرض يتطلب نقل وزراعة الأعضاء، لكن لا يصح حل مشكلة بطريقة قد تخلق مشاكل أخرى أكبر، فحيثما توجد الحاجة ويكون المجال مفتوحا للإجراءات اليائسة فالمحتاج سيلجأ إليها، وقد نرى من يبيع أجزاء جسده لتسديد دين أو قضاء حاجة ملحة، وهناك تعقيدات صحية عادة ما تتعرض لها هذه الفئة بسبب عدم القدرة على الحصول على الرعاية الصحية طويلة الأمد بعد العملية فتنخفض إنتاجية المحتاج وقدرته على العمل، وما تم توفيره من نفقات معالجة المريض الأصلي سيصرف على رعاية "المتبرع" المتضرر، والأوضاع الإقليمية تزيد من حرج هذا القرار، فتحت عنوان "تجارة الأعضاء في السوق السوداء الصناعة الأكثر نموا في بغداد" نشرت صحيفة "التلغراف" البريطانية - 22/05/2005-أنه مع مستوى بطالة تجاوز60% يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين لبيع أعضائهم لسماسرة الأعضاء أو مباشرة لتوفير أساسيات البقاء لهم ولعائلاتهم ووصف المقال صورة بائسة ومحزنة لجموع من العراقيين الذين يرابطون في المستشفيات كبنك أعضاء متحرك سواء للمشتري المحلي أو الخارجي، وكثيرا ما يستغلهم السمسار ويأخذ القسم الأكبر من الثمن الزهيد الذي لا يتجاوز 700 دولار! وأخيرا لابد أن يمثل النموذج الأخلاقي الأسمى في عملية التبرع بالأعضاء.
bushra.sbe@gmail.com