قاعدة موريس
في كتابه عن الفلترة الاعلامية في عالم الصحافة الالكترونية..
استخدم اكسل برونز (2005) عبارة "مراقب البوابة" او"غيت واتشر"، والجملة تحمل ايحاء تجميلياً، يفترض مرونة القيود المفروضة على الرأي العام في الحوارات الالكترونية، وبرونز انتقد الفلترة التقليدية "الغايتكيبنغ" في الاعلام الجماهيري، وتدخلها في اختيار ما يقدم باسم المجتمع، واعتبرها وصاية مرفوضة لا تمثل رأي الناس وتعمل ضدهم.
هذه الافكار لا تختلف كثيراً عن موقف الادبيات الاجتماعية والثقافية، في سبعينات القرن العشرين، من قضية الفلترة، فقد رأت بأن الصحافة في الدول المفترض انها ديموقراطية وتؤمن بالحرية، في ذلك الوقت، لم تنشر الا المواد المنحازة للسلطة والنخبة الاقتصادية، و حذر ستيوارت هول وزملاؤه (1987) من مسألة التطابق بين الرأي الرسمي والصحافي، على اساس انها تكرس لمشكلة التمايز الطبقي في المجتمع، وتحرض على الفوضى.
بالتأكيد الحسابات الخاصة، لها تأثيرها في ما يتناوله الاعلام الغربي وغيره، ولكنها لا تعني دائماً حصانة النخب اعلامياً، واقترح ستيفن كلايمان واخرون(2007) عزل ودراسة الحالات التي تكون فيها الصحافة مستقلة جزئياً وميالة الى النقد، لفهم شكل العلاقة الحقيقي بين الاعلام والمؤسسات الرسمية. كما ذكر كلايمان، في دراسة مستقلة، عن المقابلات الصحافية مع الشخصيات العامة(1998) بأن توجيه الاسئلة التي تحاول اختبار التناقض في اجابات الشخصية العامة، مقبول مهنياً، اذا عرضها الصحافي بشكل محايد، ولم يتدخل ويحرف في محتواها ليتناسب مع مـوقفه او وجهة نظره. وللتذكير مقاربات الصحافي للقضايا في حوارته، تبين رأيه الشخصي فيها، على سبيل المثال،ابتعاده عن مناقشة تفاصيل مهمة، واصراره على توسيع دائرة النقاش في موضوعات دون غيرها. في المقابل قد تفسر كلمات الشخصية العامة احياناً، بأنها تلقائية وبدون قصد او للمصلحة العامة ، والواقع انها ربما كانت مقصودة لايصال رسائل معينة، او للتعمية و التعتيم وتحييد ازمات و مشاكل اكبر، والتغير في نبرة صوت الشخصية، في المقابلات الاذاعية والتلفزيونية، وانتقاله الى موقع دفاعي او هجومي في اجاباته، قد يظهر ضعفاً في موقفه، او انه يخفي شيئاً خطيراً، والاستثناء ان الارتباك يشل التفكير في بعض الحالات وليس كلها.
الموضوع نفسه يمارس عند اخذ شهادة الشهود، والمقارنة بين اقوالهم واختلافاتها، في الامور الجنـــائية والامنية، وتكلـــم بول درو (1992) عن تطبيقاتها في قضايا الاغتصاب، وتحديداً توجيه اسئلة للضحية او الشاهد، تناقش التفاصيل غير المنسجمة في كلامه السابق، والطريقة حسب بول، تجعل الضحية او الشاهد، يقدم حقائق جديدة في محاولاته للتبرير، او الحقائق نفسها بصورة مختلفة، ولها سلطة اقوى من التشكيك المباشر في مصداقيته، وربما كشفت ان شهادته ملفقة او غير دقيقة، والحكم في النهاية لهيئة المحلفين في النموذج الغربي او الجمهور في الحالة الإعلامية، والفارق بين المحامي والصحافي، هو ان الاول يتمسك بموقف واحد ويصر على اثباته، بينما الثاني يعطي المواقف المختلفة، نظرياً، حضوراً متساوياً، وبول، نفسه قال ان الانتقائية في عرض الحقائق لا تتفق واخلاقيات الصحافة.
ايضاً كتبت كارين روزنبلوم (1987) عن اسلوب يشبه سؤال المحامين للشهود امام المحاكم، ويكون في المؤتمرات الصحافية للشخصيات العامة، عندما يطرح الصحافي مواقف قديمة ومتناقضة للشخصية، ليجبرها على التصريح باشياء تحاول تفاديها او التكتم عليها، و روزنبلوم ركزت على ثلاثة مؤتمرات صحافية للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون قبل فضيحة "ووترغيت" ودورها في الفضيحة. وتمنيت لو ان الصحافة السعـــودية مـــارست دوراً قريباً، مع الـــوزراء بعد خروجهم من الجلسات الاستجوابية الاخيرة لمجلس الشورى، ولكن تذكرت بان الوزراء في العالم العربي، يمكنهم بسهــولة رفض الاجابة او تغيير مســــار السؤال، هذا لو تجاوزنا فكرة ان سيناريو المؤتمر الصحافي لم يدرس قبل تنفيذه.
يقول مـــوريس جانويز (1975) أن الصحـــافي مســــؤول عن قراءة الحقائق، واعطائها سياقات مناسبة، تعالج تعقيداتها وتوضح نقاطها الاساسية، وفي هذا فلترة اعلامية بطبيعة الحال، الا انه يستدرك أن الصحافي المؤمن برسـالته، لا بد وأن يتحايل على الحواجز السياسية والاجتماعية، حتى ينتصر للمظلوم وصاحب الحق.
قاعدة موريس، في رأيي، لا تنطبق على الصحافي غير المتفرغ...!
binsaudb@ yahoo.com