« فراشة» درويش .. صرخة فلسطينية تلف العالم
جورج جحا - بيروت - رويترز
كتاب الشاعر محمود درويش الاخير “اثر الفراشة..يوميات” لم يكن اليومي فيه سوى مزيج من الغور والتساؤل الفكريين في الاشياء والنفس والخروج من ذلك بشعر حتى في الفكري وفي اليومي. وكل ما نقرأه في كتاب الشاعر الكبير -عندما يصور المشاعر والافكار وحين يستنطق الاشياء- نجده يسيل شعرا يطل من حكمته التي نتجت عن الايام في وجهها الفلسطيني والانساني.. وهما وجه واحد غالبا. هذا الشعر يبدو حافلا بحزن عميق عريق يسري هادئا كحكمة مكتسبة من شيب الروح وما تخمر فيها. انه شيب بلا شيخوخة يشبه الشباب لكنه اكثر رصانة وقد امتزجت بعض مرارته بهدوء التأمل الفكري الذي خفف من قسوتها ومع خيط تصوفي يطل بارزا احيانا. في الكتاب اذن وباستمرار شعر حيث لا شعر رسميا .. وشعر تقليدي وحديث هو “شعر شعر” جهرا واضمارا. والكتاب كما وصف هو صفحات مختارة من يوميات كتبت بين صيف 2006 وصيف 2007 . الكتاب الذي جاء في 386 صفحة متوسطة القطع صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.
الاسطر القليلة التي حملها غلاف الكتاب تنطق بكثير مما فيه من محتوى روحا ونهج تأمل. يقول الشاعر : الفارق بين النرجس وعباد الشمس هو الفرق بين وجهتي نظر الاول ينظر الى الماء ويقول لا انا الا انا. والثاني ينظر الى الشمس يقول ما انا الا ما اعبد. وفي الليل يضيق الفارق ويتسع التأويل.
القصيدة الاولى وعنوانها “البنت -الصرخة” تصل الى النفس كالسكين.انها تستدعي لوحة ادوارد مونش (الصرخة). هذه اللوحة فيها صراخ مطلق وهو يلف العالم. اما القصيدة فهي مرتبطة بالمحدد.. بواقع أليم وتنضح حزنا يجب ان يلف العالم. لكنها على حدتها تكاد تكون غير مسموعة.. فالعالم لم يعد يسمع هذا النوع من الصراخ. ومع ذلك فقد رسمها درويش كأنها دوي هائل مكتوم يزلزل الوجدان.
يقول الشاعر الفلسطيني : على شاطىء البحر بنت. وللبنت اهل/ وللاهل بيت وللبيت نافذتان وباب/ وفي البحر بارجة تتسلى/ بصيد المشاة على شاطىء البحر/ اربعة خمسة سبعة/ يسقطون على الرمل والبنت تنجو قليلا/ لان يدا من ضباب/ يدا ما اسعفتها فنادت..ابي/ يا ابي قم لنرجع فالبحر ليس لامثالنا / لم يجبها ابوها المسجى على ظله/ في مهب الغياب../ دم في النخيل دم في السحاب../ يطير بها الصوت اعلى وابعد من/ شاطىء البحر. تصرخ في ليل برية/ لا صدى للصدى/ فتصير هي الصرخة الابدية في خبر/ عاجل. لم يعد خبرا عاجلا/ عندما/ عادت الطائرات تقصف بيتا بنافذتين وباب //.
في قصيدة //في الغابة// نقرأ مع درويش : لا اسمع صوتي في الغابة/ خلت الغابة من جوع الوحش.../ وعاد الجيش المهزوم او الظافر لا فرق/ على اشلاء الموتى المجهولين الى الثكنات/ او العرش/ ولا اسمع صوتي في الغابة حتى لو/ حملته الريح الي ّ وقال لي / هذا صوتك.. لا اسمعه... /لا اسمع صوتي في الغابة حتى لو/ وقف الذئب على قدمين وصفق لي / اني اسمع صوتك فلتأمرني / فاقول الغابة ليست في الغابة/ يا ابتي الذئب ويا ابني / لا اسمع صوتي الا ان/ خلت الغابة مني/ وخلوت انا من صمت الغابة. /
قصيدة “اثر الفراشة” تحفل بسمات برزت في مجالات كثيرة في مواد الكتاب. انها اشراقية الى حد بعيد. يقول درويش : اثر الفراشة لا يرى/ اثر الفراشة لا يزول/ هو جاذبية غامض/ يستدرج المعنى وترحل/ حتى يتضح السبيل/ هو خفة الابدي في اليومي/ اشواق الى اعلى/ واشراق جميل/ هو شامة في الضوء تومىء/ حين يرشدنا الى الكلمات/ باطننا الدليل/ هو مثل اغنية تحاول/ ان تقول وتكتفي/ بالاقتباس من الظلال/ ولا تقول.../ اثر الفراشة لا يرى/ اثر الفراشة لا يزول.