رؤيـة سيـاسيـة
غزة.. ملحمة مسيرة التاريخ الحاسمة
د . طلال بنان
ما يحدث في غزة من تصعيد خطير لموقف متفجر أصلاً لم يعد، في حقيقته، أزمة بفعل إدارة إسرائيل العنيفة وغير المتناسبة لملف علاقاتها مع الفلسطينيين، بعد مرحلة مؤتمر أنابوليس، بقدر ما هي أزمة دولية، يشترك فيها النظام الدولي، بأسره، بعيداً عن مسؤولياته السياسية والتزاماته القانونية وواجباته الأخلاقية، ألا يبدو غريباً: أن يفشل مجلس الأمن في إصدار إدانة، مجرد إدانة لا ترتبط بأي إجراء وفق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة..!؟ الأشد غرابة: أن يظهر على الملأ الأمين العام للأمم المتحدة مناشداً إسرائيل ضبط النفس، مع الإقرار بما يزعمه حقها في الدفاع عن النفس تجاه أعمال الفلسطينيين “الإرهابية”..!؟ والأنكى من ذلك: أن تحجب وسائل الإعلام الغربية صور المجازر التي يتعرض لها الأطفال والشيوخ والنساء الفلسطينيون، ولا تبث إلا صور رجالٍ بلحىً تنعتهم بالإرهابيين، الذين من حق إسرائيل (جزرهم وحرقهم)، حتى لا يتطور (هولوكوست) جديد لليهود..!؟ عندما نشاهد هذه السلوكيات الرسمية وغير الرسمية في مجتمعات الغرب (الليبرالية)، فإننا نستشعر قلقا خطيراً على ضمير الإنسانية.. وتوجساً أكثر خطورة على سلام العالم وأمنه.. وتصفيةً نهائية لما بقي من مصداقية لمؤسسات النظام الدولي وفعالياته، لنسأل كل أولئك: متى احتاجت اسرائيل إلى مبرر للتنكيل بالفلسطينيين..؟ وإذا ما سلمنا جدلاً بمشكلة الصواريخ التي تطلق من غزة، لنا أن نتساءل: هل وقف تلك الصواريخ كفيلٌ بأن يوقف آلة العنف الإسرائيلية الجهنمية على الفلسطينيين..؟ في حقيقة الأمر: ليس هناك صواريخ تطلق من الضفة، في الوقت الذي تحرص إسرائيل على أن تنال الضفة الغربية نصيبها من استراتيجية التنكيل بالفلسطينيين..!؟ ثُمّ: ماذا عن الحصار الجائر والاجتياحات المتكررة الإسرائيلية على غزة، هل نُسي هذا أيضاً..!؟ أخيراً وليس آخراً: هل مشكلة الصواريخ الفلسطينية التي هي قضية سياسية، في الأساس، تبرر كل هذا العنف الصهيوني الأرعن على الفلسطينيين، في غزة والضفة الغربية...!؟ لب القضية، أن الجميع في العالم للأسف، نسي أن الأزمة سياسية، في الأساس، وإن كان لها ذيول أمنية واستراتيجية. نسي الجميع أن هناك مشكلة احتلال.. وأن هناك قضية شعب يسعى لأن يتحرر من الاحتلال.. وأن هذا الشعب مستعدٌ للتضحية حتى آخر رجل وآخر قطرة دم من أجل أنبل قضية إنسانية معاصرة، عرفتها البشرية، منذ أن نشأ نظام الدولة القومية الحديثة، منتصف القرن السابع عشر. سلام العالم، منذ ذلك التاريخ، مرتبط بتمكين شعوب الأرض من حقوقها في التحرر الوطني وإقامة دولها المستقلة، التي ترمز إلى وحدتها الوطنية. وكرامتها الإنسانية.. وحقها غير القابل للتصرف في السلام والاستقلال. لن ينهزم الشعب الفلسطيني في ملحمة غزة، هذه حقيقة تاريخية. في النهاية: ستنهزم "قيم" الليبرالية في مجتمعات الغرب، لتأخذ معها كل مظاهر الغطرسة الرعناء، لما يسمى بالحضارة الغربية المعاصرة.