الذي يأتي ولا يأتي
هناك مسرحية للكاتب الأيرلندي المشهور صموئيل بيكيت، أسماها “في انتظار جودو”، أو الذي يأتي ولا يأتي. وهي مسرحية تعالج الذات القلقة للفرد، وإحباطاته، وشعوره بالعبث واللاجدوى، واستبطانه فكرة الخلاص من خلال استحضار ماهية ضبابية مهدوية، تتمثل في المنقذ أو المخلص، الذي هو جودو، لكن الانتظار يطول ويزداد مللا ورتابة. ويتحول إلى دائرة من العبث والقلق والإحباط الوجودي. وفي الواقع فإن عنوان المسرحية وإلى حد كبير سياقاتها وتهويماتها، تتشابه والوضع العربي العام. الذي يشمل الجميع، الأنظمة، الشعوب، المكونات التقليدية، والنخب " الحديثة " على حد سواء. الجميع ينتظر ويترقب ويتوجس، مسكونا بالإحباط، العجز، الأمل، والوهم في استعادة الفردوس المفقود، الجميع في انتظار وترقب أن يأتي الخلاص على يد منقذ، قد يكون فارسا على جواده المطهم مثل عنترة وأبو زيد الهلالي، ولا بأس في حالة تعذر ذلك، استحضار حامي العروبة، وحارس البوابة الشرقية، البطل الهمام، والمستبد "العادل" الذي حول نصال الغزاة " الكفار " إلى أعواد متكسرة على جدران عاصمة الرشيد.
وإذا غاب المنقذ المحلي (الأصيل)، لا بأس من التطلع إلى المستورد (المعاصر)، من دبابة مجنزرة، أو طائرة مزمجرة، يمتطيها اليانكي الأمريكي، وينثر عبرها "اللؤلؤ " و"الجواهر" المعروفة أثرها وتأثيرها العميق حيث ما حل في بلاد العرب والمسلمين، وإلى جانبها، هناك البنكنوت الأخضر (رغم أنه بالكاد يسمن من جوع) في استعادة " أصيلة " لمصباح علاء الدين وجرار علي بابا. وإذا غلبت الروم، أو شح البديل المنقذ، يظل هناك على اقل التقدير المنقذ الجاهز الراسخ في الذاكرة «المعطوبة» التاريخية، المتمثل في «المجاهد» الذي يحمل روحه على كفيه، متشحا «خشوعا» و«مرضاة» و«تقربا» إلى الله تعالى، بحزام ناسف، ينهي ويدمر حياته ومن في محيطه، ليرحل سريعا من هذه الحياة التعيسة الفانية..
وتوقا وشوقا لملاقاة ما لذ وطاب في الحياة الأبدية الخالدة، وهو ما تبشر به القاعدة وشركاؤها ومنظروها المعروفون والمستترون. أين ماترنو، يحيطك بحر كئيب كالمعصم، محكوما بفنتازيا سوداء، تطفح بالسحر والشعوذة والأبقار المقدسة، التي تتكالب لافتراس ضحاياها، قربانا للخلاص، وللتكفير عن ذنب وجريرة العوام في استبطان المراوغة، وضلالة التمرد على فروض الامتثال لما ينبغي وما لا ينبغي.
وهز طمأنينة اليقين الراسخ، والطاعة الواجبة على الرعية، ومحاولة التأثير على الشياة " السعيدة " وتحريضها على الخروج من حظيرتها المسيجة و«الآمنة».
ولأن الجميع في انتظار جودو الذي يأتي ولا يأتي،..
ويبقى ويستمر الحال على ما هو عليه، كما هو في لبنان، العراق، فلسطين، السودان، الصومال وغيرها. من البحر إلى البحر..
الجميع ينتظر كلمة السر، ومفتاح الفرج، وتعويذة الخلاص.
الجميع أسلموا أمرهم، وأمورهم، حاضرهم، ومستقبلهم، منتظرين جودو (الآخر) المعاصر أو القديم. السؤال هنا، متى ينطلق، ويتحرك، ويتشكل جودو الأنا - الذات - الجمع - الوجود - الكينونة ؟ شخصيا أفتقد الإجابة، ويبدو أنني مثل الاخرين، يكمن في أعماقي جودو أو مهدي أو مسيح منتظر، لا فرق هنا لكنه بالتأكيد لن يكون على شاكلة ما ذكرت.