أ. د. صالح عبدالعزيز الكريِّم
تدارك ما بقي من أيامه !!
مكثت الأسبوع الماضي أياماً في مكة المكرمة، أطل من موقع غرفتي التي كتبت فيها هذا المقال على البيت الحرام والكعبة الشريفة، وبعد صلاة الفجر أو العشاء أكون في صحن الحرم مقترباً من بيت الله وخلف المقام لألحظ تلك النفوس المقبلة على ربها وهي ترفع أكف الضراعة تبتهل إلى الله وترفع الشكوى بهمس النجوى وفي إحدى اللمحات رأيت رجلاً كبيراً في السن مرتميا في أحضان كرسي وكأني به أي بالكرسي من أعز أصدقائه لأنه يحمله ويجيء به ويذهب، قد توطدت علاقته بإنسان قلبه كله رحمة وشفقة عليه، إنه الذي يدفع بالكرسي حتى يوصله من السيارة إلى حيث مكان الصلاة ويرعاه ويقعده وينزله وقد يحمله أحياناً بين يديه، إنه ابن بار وولد عطوف واقتربت إليه لأتفحص معالمه وأتبين ملامحه، فإذا به من طائفة السائقين ولا يمت للرجل العجوز بصلة وسلمت على الرجل فعرفت أنه وجيه وثري وأدركت أن له أولاداً ومن أولاده من يحظى بمكانة وله منصب، قال لي والحزن يتقاطر من خديه والأسى ينبعث من عينيه «هذا ولدي» وأشار إلى السائق، وهذا يقودني لأتساءل لماذا ازدادت الهوة وتعمقت الفجوة بين كبار السن الآباء وبين أبنائهم وأين هي ثقافة البر (بكسر الباء) خاصة الآباء من طرف أبنائهم، لقد كتبت مقالاً سابقاً بعنوان «شيّاب نوتنجهام» وحكيت فيه حال الآباء الغربيين في آخر حياتهم عندما زرتهم في دورهم، ولا أود على الإطلاق تشجيع فكرة إقامة دور عجزة لكبار السن، بل إن الحملة يجب أن تكون بالعكس، وهو سن قوانين رادعة لعقوق الوالدين وفرض عقوبات وجزاءات على الأبناء من قبل الشؤون الاجتماعية، وهذا ما أقرته الحكومة الهندية في ديسمبر من عام 2007، وأجازه البرلمان الهندي وينص القانون المشار إليه على عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر على من تدينه محكمة بالتخلي عن الأب أو الأم مع احتمال الحرمان من وراثة أي ممتلكات للوالدين.
أعلم أن هناك عدداً كبيراً من أفراد مجتمعنا ليس كحال من وصفت في المقال.. ولا يظن شخص له والدان، أحدهما أو كلاهما، أن المهم هو النفقة عليه فقط والبحث عن سائق وخادمة ليقوما بالخدمة عليه، إن خدمة الأبناء ونفسهم (فتح الفاء) وحسهم وقربهم وريحتهم، كل ذلك ينعش نفوسهم ويحيي قلوبهم ويجلب للأبناء دعوات تكفيهم الأمراض وتنير لهم الطريق ولكن للأسف هناك من الأبناء من تعمّق العقوق في دواخلهم وهؤلاء كما ذكرنا يجب أن ينتزع حق الآباء منهم بالنظام والقانون والمحكمة وعلينا في المقابل ألا نقبل بالحل الغربي للموضوع بإقامة دور للعجزة إلا للذين ليس لديهم أبناء أو أسرة أو أقارب.. والله يتولى الصالحين.
فاكس 6951452 - skarim@kau.edu.sa