غازي عبداللطيف جمجوم
النقل المدرسي
مشروع نقل الطالبات الذي تم الإعلان عن تجربته في المدينة المنورة من قبل وزارة التربية والتعليم في الأسبوع الماضي مشروع وطني مهم وجدير بأن يتم دعمه بقوة إلى أن يكتب له النجاح إن شاء الله ويعمم على جميع الطلاب والطالبات في كافة مناطق المملكة. غياب النقل المدرسي أو تلاشيه في مدننا ظاهرة ملفتة للنظر بالمقارنة مع دول العالم الأخرى. وربما نتج ذلك عن الوفرة التي أنعم الله بها علينا خلال الفترة الماضية مما سمح لغالبية الناس امتلاك سيارات خاصة لنقل أبنائهم من المدرسة وإليها. وعلى الرغم من الراحة والرفاهية المصاحبتين لهذه الطريقة، إلا أنه يبقى لها في كثير من الأحيان العديد من السلبيات التي يتلافاها توفر النقل المدرسي المشترك. إسناد المشروع إلى القطاع الخاص تطور جديد أيضا، يرجى أن يعطيه زخما إضافيا ويجعله أكثر مرونة وحيوية وأقل تكلفة وأفضل أداء. ومن المأمول أن يبدأ المشروع من حيث انتهى الآخرون من ناحية نوعية الحافلات المستخدمة وطريقة تنظيم سيرها وتدريب العاملين بها وخاصة في ما يتعلق بأمور السلامة. وحبذا لو يتم وضع تنظيم واضح يشمل كل التفاصيل تلتزم به كل المؤسسات المشاركة. وكذلك لو يتم توحيد لون الحافلات المدرسية لتمييزها عن المركبات الأخرى، ولو يتم استخدام أحدث التقنيات المتاحة، مثل نظام الـ(GPS)، لمتابعة تحركها وفقا لخط السير المقرر لها وسرعة اكتشاف التأخير والأعطال أو الحوادث لا قدر الله. وكذلك لو تتم الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة مثل الهاتف الجوال للتنسيق مع الأهل في استلام وتسليم الأطفال واختصار فترات الانتظار لهم أو لذويهم.
مزايا النقل المدرسي متعددة. كم من الآباء يضطرون لترك أعمالهم حاليا ليقوموا بتوصيل أبنائهم وبناتهم إلى المدارس.. ما حجم الوقت المهدر؟ وما تأثير ذلك على إنتاجية الموظف في القطاعين العام والخاص؟ ما هي التكلفة الإجمالية؟ وعندما يكون هناك عدة أبناء في الأسرة في مراحل مختلفة من الدراسة فإن مشكلة توصيل الأبناء تتفاقم. وكذلك في حالة مرض الأب أو سفره. ما حجم الازدحام الناتج عن الرحلات الكثيرة التي يقوم بها الآباء أو السائقون لتوصيل الطلاب بالسيارات الخاصة؟ وكم عدد الحوادث الناتجة؟ ما كمية الوقود المستهلك؟ وما حجم التلوث الناتج من انبعاثات السيارات؟ ما عدد السائقين الوافدين الذين نضطر لاستقدامهم؟ في غياب النقل المدرسي تتحمل كثير من الأسر تكاليف باهظة لتأمين سيارات إضافية واستقدام سائقين لتوصيل أبنائها، وربما يكون ذلك على حساب أشياء أخرى مهمة مثل شراء المسكن أو تعليم أبناء آخرين. وقد يضطر البعض لشراء سيارات لأبنائهم في المرحلة الثانوية، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر. كما تزدحم الشوارع المحيطة بالمدارس، خاصة في أوقات الحضور والانصراف، بسبب كثرة سيارات الطلاب. وفي غياب النقل المدرسي يقضي الأطفال بعد الانصراف من المدرسة وقتا أطول في الشارع في انتظار سياراتهم، وقد يتعرضون إلى حوادث مرورية أليمة، كما سبق أن حدث، بسبب غياب الأماكن الملائمة للانتظار. عندما كنا طلبة في المدرسة كنا نستقل الحافلة المدرسية ذهابا وإيابا، واستمرت بنا الحال كذلك لسنوات طويلة إلى أن تخرجنا منها. إلا أن الوضع تغير بعد الطفرة الأولى في السبعينات الميلادية، وأصبحت السيارة الخاصة هي وسيلة المواصلات المفضلة إلى المدرسة لدى الأغلبية العظمى من الناس، بل أصبحت رمزا للمكانة الاجتماعية، وتراجع النقل المدرسي تراجعا كبيرا رغم أن الحاجة الفعلية أرغمت بعض المدارس في عدة قطاعات على الاستمرار في توفير النقل المشترك لطلبتها. كذلك ازداد منذ فترة انتشار شركات القطاع الخاص تقوم بالنقل الجامعي للطالبات. عودة النقل المدرسي، بصورة أكثر تطورا إن شاء الله، سيمثل تغييرا إيجابيا نحتاجه ونترقب قدومه. ويجب أن نتعلم احترام حافلة النقل المدرسي عندما تقف لتنزيل أو تحميل الطلاب، وعندما يقوم الطلاب بعبور الشارع. ويجب توفير الساحات الملائمة لهذه الحافلات أمام المدارس وكذلك أماكن الانتظار المناسبة للطلاب في الأحياء.
وقد يكون تطوير النقل المدرسي خطوة أولى مفيدة نحو تطوير النقل العام الذي لا مفر لمدننا المزدحمة من تطبيقه في المستقبل القريب.