الصوامع الاستراتيجية
حينما أنشئت المؤسسة العامّة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق، أعلن حينها أن الغرض الأساسي من إنشائها هو المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي في المدى الطويل. وحينما اعتمدت زراعة المحاصيل الحقلية وفي مقدمتها القمح المعتمد على الريّ المكثّف أعلن أيضاً أن القمح (سلعة استراتيجية) سيتم إنتاجها مهما كلفت خزينة الدولة من أموال، رغم أن تكلفة الإنتاج الاقتصادية والاجتماعية حينها كانت تفوق تكلفة الإنتاج العالمية بمراحل. وأمام طغيان فورة أو طفرة القمح خفتت ثم ما لبثت أن تلاشت كافة الأصوات التي كانت تصرخ في واد بأن التوسع في بناء الصوامع وتخزين كميات من الغلال بأسعار رخيصة من السوق العالمية، كان أجدى من زراعة القمح المعتمد على الرّي من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية وحتى البيئية في منطقة صحراوية شديدة الحرارة تعتبر من أفقر بلاد العالم مائياً إن لم تكن أفقرها على الإطلاق. وقد بلغت النشوة بنا في ذلك الوقت مداها حدّ تسفيه وزير الزراعة الأسبق وزير الزراعة الأمريكي الذي عرض عليه تزويد بلادنا بإمدادات كافية من القمح بأسعار تصل إلى ثلث الأسعار التي تدفعها الدولة للمزارعين المحليين، فقلنا حينها لا بد أن الوزير يعلم ما لا نعلم وربما كان متأكداً من صدق المقولة التاريخية الشهيرة التي أطلقها مدير جامعة الملك فهد بحضور الملك فهد ـ يرحمه الله ـ أثناء إحدى زياراته للجامعة التي كانت فحواها أن (المياه الجوفية في المملكة تعادل في وفرتها جريان نهر النيل لأكثر من خمسمائة عام). ولذلك أسلمنا أمرنا لله حينها وقلنا يبدو فعلاً أننا لا نعلم ما يعلمون. واليوم تذهب إلى المخابز لتجد أن أرغفة الخبز قد اختلفت من حيث الحجم والوزن، وإذا سألت قيل لك احمد الله أننا مازلنا قادرين على إمدادك بالخبز، وتسأل الصوامع التي وزّعت منذ أشهر قليلة نخالة قتلت آلاف الإبل من سلالات نادرة، مما يدل على عدم وجود رقابة نوعية على المنتجات، فيفيدون بأن الدقيق متوفر ولا توجد أية أزمة وكلّ من يدعي غير ذلك هو من الكاذبين وأن ما يجري لا يعدو كونه تلاعبا من الموزّعين.
بعض الناس ـ وأنا منهم ـ قرّروا أن يسهموا في محاربة الأسعار الجديدة والنقص الكبير في الكميات وذلك بشراء دقيق الصوامع من محلات البقالين (السوبر ماركت) ليقوموا بخبزه في البيت حتى يضمنوا نوعية جيدة من المنتج بالأسعار المخفضة التي تعلنها الصوامع ليل نهار، ولكن هيهات.. فرفوف معظم المراكز الكبيرة فرّغت من الدقيق، وإذا سألت قيل لك إن أسعار الدقيق أصبحت مرتفعة في السوق السوداء ونحن لا نستطيع طلبه من الصوامع مباشرة بل من خلال موزّعين معتمدين يتهمون الصوامع بأنها لا تعطيهم كميات كافية فآثرنا عدم شرائه وعرضه بأسعار السوق السوداء تجنباً لتعريض أنفسنا للعقوبة والغرامات الباهظة، لذلك رأينا انه من الأسلم لنا عدم شرائه أو بيعه..
هذه الصوامع (الاستراتيجية) التي تخزّن قمحاً (استراتيجياً) لا تستطيع تلبية حاجاتنا العادية اليومية (غير الاستراتيجية) في وقت السلم والرخاء والخير الذي يتدفق على بلادنا بغير حساب، فما بالك في أوقات الحرب أو القحط والشدّة لا سمح الله.. لذلك لا أضيف جديداً إن جدّدت الدعوة لنقل ملكية هذه الصوامع إلى القطاع الخاص بإنشاء شركة لشراء وحفظ ومعالجة وتوزيع كافة الغلال القابلة للتخزين كالقمح والشعير والرز والبازلاء والذرة وغيرها بحيث تحتفظ بمستويات مخزون تكفي البلاد لستة أشهر على الأقل وتتحرك تلقائياً لإعادة الطلب وزيادة المخزون من الغلال التي يتوقع أن تشهد ارتفاعاً في أسعارها أو نقصاً في إنتاجها أو عندما يصل المخزون خطاً أحمر لا يجب أن يهبط دونه. كما أن مثل هذه الشركة يجب ألاّ تكون محصورة بالإنتاج المحلي فالأسواق العالمية كلّها سوق لها تشتري منها ما تشاء حسب الحاجة وحسب الأسعار العالمية المنافسة، كما أن الأسواق المجاورة يمكن أن تستهدف في منتجاتها وبذلك يتم تشغيلها على أسس اقتصادية بحتة. وأظن أن في طرحي هذا دعوة لإيقاف دعم إنتاج القمح المحلي إذا كان إنتاجه غير اقتصادي أو مؤثرا على المياه الجوفيّة. وأعلم أنني بهذه الدعوة أغضب كثيرين ولكن غضبهم يمكن أن يحتمل في سبيل المصلحة الإستراتيجية العليا للوطن.
أما بالنسبة لموضوع التخصيص فأقول إنّ طرحه ليس بالجديد بل المجدّد، لأن مجلس الوزراء الموقّر كلّف المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق منذ سنة 1996م بدراسة إمكانية تحويلها إلى شركة أو شركات مساهمة، فقامت المؤسسة بتكليف البنك الدولي سنة 1999م بإجراء تلك الدراسة لحسابها وبتمويل منها، وقد أكمل البنك تلك الدراسة بحلول عام 2000م وتحدّث عنها مسؤول بوزارة الزراعة في ورشة العمل التي أقيمت صبيحة يوم 18-1-2004م لمناقشة موضوع تخصيص الصوامع في غرفة الرياض بحضور خبراء من البنك الدولي. وما زالت تلك الدراسة فيما يبدو تراوح مكانها منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي وحتى أواخر العقد الأول من هذا القرن ولا يعلم غير الله متى سترى النور وإن رأته هل ما زالت صالحة للتطبيق بحكم تغير الظروف أم أن الأمر يتطلب دفع عدّة ملايين أخرى لتجديد الدراسات القديمة أو إجراء دراسات جديدة. وسواء خصّصت مؤسسة الصوامع كلياً أو جزئياً أو لم تخصص، لا أرى أي مانع من السماح لمستثمرين محليين أو عالميين بإنشاء صوامع غلال أخرى غير المملوكة للمؤسسة وصناعات تجارية ملحقة بها لخدمة بلادنا والدول المجاورة وأخص منها الخليجية ضمن استراتيجية محلية وإقليمية واضحة المعالم للأمن الغذائي في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدّة.
altawati@yahoo.com