رؤية سياسية
عندما يغلب الهوى على تفسير الغموض
د. طلال صالح بنان
في الدبلوماسية الأمريكية هناك نوعان من الغموض.. الأول تسميه دوائر الخارجية بالغموض البناء.. والآخر الغموض الذي يُغَلِّب جانب الشك في سلوك أطراف دولية، على الأقل، يُنظر إليها على أنها أطراف غير صديقة... وفي أسوأ الظروف أطراف معادية. على سبيل المثال: الغموض تجاه برنامج إسرائيل النووي وما يرقى إلى اليقين بخلفيته الاستراتيجية، في نظر واشنطن، غموض بناء: لأنه يزيد من إمكانيات الردع لدى دولة حليفة، رغم اليقين بخلفية عدم الاستقرار الخطير الكامن في برنامج إسرائيل النووي، على سلام واستقرار أكثر مناطق العالم توتراً، ومن ثَمّ سلام العالم وأسره. لذا نجد الولايات المتحدة توفر حماية سياسية كبيرة وخطيرة للبرنامج النووي الإسرائيلي، بدعوى أن إسرائيل لم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي: فهي ليست معنية -قانوناً- بنشاطات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الرقابية، على برنامجها النووي، رغم علم واشنطن أن إسرائيل تمتلك رادعًا استراتيجيًا يُقدر بمئتي قنبلة نووية أصغرها لديها قدرة تدميرية تفوق تلك التي أُلقيت على هيروشيما نهاية الحرب الكونية الثانية... مع قدرة استراتيجية فائقة على توصيل هذا السلاح النووي، إلى أقاصي المعمورة، حتى أطراف العالم الجديد، إن تل أبيب طورت إرادة سياسية بذلك..!؟
في الجانب الآخر تنظر واشنطن بعين الشك والريبة لأية طموحات نووية لدى أي طرف دولي، خارج النفوذ الأمريكي في الساحة الدولية على أنه خطر واضح وناجز على سلام العالم وأمنه. حتى ولو كان هذا الطرف الدولي موقعًا على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية.. وإعلان هذا الطرف الدولي أن برنامجه النووي للأغراض السلمية، ولا يمانع في رقابة مُنَظَّمة من قِبَل الوكالة الدولية للطاقة على برنامجه النووي، التي على أي حال ليس من المتوقع لها أن تمضي دون مشاكل سياسية أو تعقيدات فنية، سببها في الأصل منطق الدولة.. وميوعة سلوك الدول في الساحة الدولية.
برنامج إيران النووي، إلى حدٍ كبير يمثل نموذجاً لـ"سيناريو" الغموض الذي يغلب عليه الشك والريبة، في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية لأسباب سياسية وأيدلوجية معًا. الولايات المتحدة، منذ تفجر الأزمة، أخذت تضغط على المستويين الدولي والإقليمي من أجل عرقلة البرنامج النووي الإيراني، بل وحتى تصفيته. الاقتراب الأمريكي من إدارة الأزمة يعتمد على: إثارة الخوف والفزع ليس من احتمال امتلاك إيران لأسلحة نووية غير تقليدية، فحسب... بل من احتمال تطوير إيران للتكنولوجيا النووية، في المقام الأول، شكًا في النوايا "الكامنة" وراء سعي دولة نفطية كبرى، لا تعاني بصورة ملحة، من أزمة طاقة..!؟
طالما هذا التفسير، الذي يغلب عليه الشك والريبة ولا يخلو من دوافع سياسية تغذيها عقد أيديولوجية، تسيطر على مؤسسات السياسة الخارجية الأمريكية في واشنطن، فإن أية تطمينات يمكن أن تقدمها أجهزة دولية متخصصة.. وأية مخاوف إقليمية في المنطقة من احتمالات التصعيد في أزمة يمكن احتوائها بالطرق الدبلوماسية والقانونية والفنية، لن تلقى آذانًا صاغيةً في واشنطن. في التحليل الأخير: إدارة واشنطن لأزمة البرنامج النووي الإيراني يحكمها مبدأ بوش في ما أسماه مثلث الشر، وليس جهود وكالة الطاقة النووية ومخاوف دول المنطقة من إمكانيات عدم الاستقرار في الأزمة.
هذا يفسر الخلاف القائم بين وكالة الطاقة الذرية وواشنطن، حول طريقة معالجة الأزمة.. ويفسر أكثر تعثر جهود الولايات المتحدة، مؤخراً في مجلس الأمن، لفرض حزمة عقوبات جديدة على طهران وتهديد واشنطن باتخاذها، لو اقتضى الأمر بعيدًا، عن المجلس، ورغم تقرير المخابرات الأمريكية الأخير نفسه الذي خالف توجهات الإدارة الأمريكية.. ويفسر أكثر تردد الاتحاد الأوروبي في مجاراة واشنطن بتصعيد الأزمة، خارج نطاق التعامل معها في إطار المعالجة الأوربية لها.. أو في إطار لعبة السياسة في مجلس الأمن. إذا تمكنت الأزمة من الصمود حتى نهاية العام، فإن احتمال مجيء إدارة ديموقراطية في واشنطن يمكن أن يخفف من وطأتها كثيرًا... وإلا فإن الأزمة مرشحة للتصعيد... بل حتى يزداد تعقيدها ببقاء الجمهوريين في البيت الأبيض، بعد الانتخابات الرئاسية القادمة.