السيد بالخلق قبل النسب
د.فارس محمد عمر توفيق
يدور ويقف ويتلفت حتى يفسح له في صدر المجلس والمائدة. يثرثر ويرفع صوته ويغضب حتى يوافقه جلساؤه ويسلمون ويعجبون برأيه. ورغم انتظاره للاحترام فهو سليط اللسان مغتاب نمّام, ثم يصر أن يقول انه من سادة الناس. هذا الرجل العجيب صارحه صديقه في خلوة بأن اقواله وافعاله لاتأتي ممن ينتسب الى "سادة" أو "علية" القوم كما يقول دائما, فازداد ضعة وخسة بصياحه وتطاوله بالكلام متهما صديقه بانكار نسبه المتميز العريق, ثم اصر ان ينادي من يشهد على ذلك الخطأ العظيم, فاذا بالشاهد يؤيد الصديق بأن انكاره ليس لنسب الرجل بل لاخلاقه المنفرة التي يسيء بها الى نسبه, فلم يتردد "السيد" العجيب ان رماهما بقبيح الكلام وهما يرجّعان لمصيبة يسببها ضعاف لا يفرقون بين هذا وبين المحترمين حقا, فيقربونه ويغرونه بالاستمرار, وأي مصيبة أشد.
من أراد ان يكون "سيدا" محترما فبخلقه وعقله وأدبه لا باستجداء الاحترام بلقب او بنسب. ِ"ان أكرمكم عند الله أتقاكم" وليس الفتى من يقول كان أبي, ولينظر احدنا هل يذكّر جليسه باحسانه ليشجعه او باساءته ليكفه حتى لا يكون كما يقال "معاهم معاهم عليهم عليهم" او بمعنى اصبح "إمعة", وهذا مع الأسف ما يؤخر شرقنا الأوسط عن باقي الأمم.
نقول: "فلان يستحق ان يبذل من أجله كذاوكذا" و"فلان ينبغي له فعل كذاوكذا", لان الاول "سيد" بخلقه, حبيب سهل ينبث احترامه خفية كما يبنث العطر من مكانه بصمت, والثاني متكلف ممثل يطلب الاحترام ويفرض سيادته ولو حبرا على ورق. وان قلنا عن الثاني مرة انه "يستأهل الاكرام" فلن تخرج كلماتنا حرة سلسة بل مثقلة بالتكلف والترقب وربما بالخوف والنفاق,وهذا مرض مزمن خبيث قد لا يحس المريض به بل يستزيد منه إن كان من اعراضه كسب الجاه والمال والدنيا, حفظنا الله واعاذنا من ذلك!
احساس: حدود حرية المتكبر والمتسلط والمنافق تبقيهم.. عبيدا!!
farisghm@hotmail.com