أفيـــــــــــاء
حيرة
عندما تقف أمام أمرين موقفاً محايداً، تنظر فيهما بتجرد تام لترى أيهما أفضل، أنت في الواقع لا تكون حائراً، لأنك تكون أمام موقف تفكيري متأمل ينحو نحو الكشف عن المزايا والمبررات التي قد ترجح لديك أمراً على غيره فتدفع بك إلى اختياره وتفضيله. وهنا يكون الاختيار سهلاً والمفاضلة غالباً صحيحة.
لكن الحيرة الفعلية تظهر حين يغيب الحياد عنك فيكون عليك أن تختار بين أمرين، أنت في أعماقك تميل إلى واحد منهما. في مثل هذا الموقف أنت، وإن كنت تظن أنك تفكر وتتأمل وتقلب الأمور قبل الوصول إلى قرار الاختيار، أنت في واقع الأمر لست كذلك، فالحقيقة هي أنك لا تكون متجرداً أثناء التأمل والتفكير، وإنما في الغالب تكون مقاداً بميلك، فيتقدمك ذلك الميل ليطوق تفكيرك ويلقي ظلاله على عقلك فيصيبه بالعتمة، فيغيب عنه صفاء الرؤية، فتأتي أحكامه غير صحيحة، لكنك تظن أنك أحسنت الاختيار غائباً عنك أنك اتبعت حكم الميل.
وأذكر قولاً للعقاد يعرف فيه الحائر فيقول عنه: «ليس الحائر من يوازن بين غرضين، ولكنه الضعيف الذي تغلبه نزوة، فلا يملك أن يوازن بينها وبين سواها».
العقاد هنا ينص على موقف ثالث غير الموقفين السابقين فهو يجعل الحائر، بمعنى الذي لا يدري ما الصواب، هو من تسيطر عليه نزوة من النزوات فينطلق وراءها بلا تأمل أو تفكير، فحب الإنسان لأمر ما وفرط رغبته فيه يجعله لا يتردد في اتباعه، ومن ثم لا يتوقف ليوازن بينه وبين غيره من الأمور كي يفاضل بينها ويختار، فما يغلب على الناس هو ميلهم إلى تقديم ما يحبون والاندفاع وراءه بفعل ما يتلبسهم من رغبة جامحة فيه.
إلا أن هذا الوضع الذي ينص عليه العقاد هو في تصوري أهون كثيراً من حال ذاك الذي يظن في نفسه أنه يفكر في الأمور ويوازن بينها وأنه في اختياره لم يخرج عن حكم العقل، بينما هو في حقيقة الأمر لم يعد أن خرج باختيار ظاهره حكم العقل وباطنه اتباع الهوى، فصاحب العقاد مدرك أنه اتبع ميله ولم يستشر العقل، لكن الثاني لا يدري بذلك فهو مخدوع يظن أنه اختار الأصوب في حين هو واقع في شرك الخداع، وهو مما يوصف (بتزيين النفس) فعندما تزين النفس لصاحبها أمراً ما، تصيبه بالالتباس فهي تعمد إلى إلباس ما تريده لباس الحق فتظهره بمظهر الصواب خادعة صاحبها مضللة له.
ص.ب 86621 الرياض 11622
فاكس 4555382