د. صدقة يحي فاضل
حال العالم الراهن.. أبرز الأسباب..؟!
ذكرنا، في المقال السابق لهذا، أن وضع العالم الاقتصادي السياسي منذ انهيار المعسكر السوفييتي، سنة 1991م، حتى الآن، ومنذ تحول النظام العالمي إلى نظام القطبية الأحادية، وتربع الولايات المتحدة، التي توصف بأنها زعيمة العالم الرأسمالي (الحر)، على قمة النظام العالمي، كقطب وحيد حتى إشعار آخر هو وضع غير مرض. بل إن العالم أصبح منذ 1991م حتى الآن في أوضاع اقتصادية وسياسية أسوأ من ذي قبل. ثم ذكرنا، وبشكل عابر، بعض أهم شواهد هذا التدهور. وقد ساهمت بعض سياسات الولايات المتحدة، والتطرف الرأسمالى الغربي كما سنوضح في نشوء هذه الأوضاع البائسة. ومع ذلك، يجب ألا نلوم الرأسمالية (خاصة المطلقة) في كل ما حصل بالعالم، من تدهور سياسي واقتصادي وأمنى، وفي مستوى الرفاه الاجتماعي، في كثير من دول العالم النامي. كما يجب ألا نغمط الرأسماليين حقهم، في ما تم على أيديهم، من بعض الإنجازات التقنية والعلمية والاقتصادية الكبرى. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن: العالم بات (أفضل)، من ذي قبل.. بعد تسيد الرأسمالية (وما يتعلق بها) في هذه المرحلة، التي إن أحسنَّا الظن بها، فلا بد من القول إنها لم تتمكن (حتى الآن) من التخفيف من وطأة متاعب ومشاكل إنسان العالم الحاضر. وهذا ما يؤكد تفوق (وفضل) الحل القائم على (التوسط) والاعتدال (لا ضرر ولا ضرار) والمؤكد على مصلحة الجماعة أولاً.. وهو الحل الذي يدعو الإسلام الحقيقي إليه. وليت العالم كله يجرب هذا الحل.. بعد أن عانى الكثير، على يد المذاهب المتطرفة في تحمسها، إما للجماعة (على حساب الفرد)، أو للفرد (على حساب الجماعة)..
* * *
ولاشك أن هذا الوضع العالمي البائس يعود إلى عدة أسباب، لعل من أهمها: سوء سياسات القطب المهيمن على مقاليد العلاقات الدولية الراهنة، التي يسود فيها الآن ـ وحتى إشعار آخر ـ نظام القطب الواحد.. وهو ـ في الوقت الحاضر ـ الولايات المتحدة.. التي توصف ـ كما قلنا ـ بأنها زعيمة العالم الرأسمالى «الحر»؟! ويؤخذ على هذه السياسات اتسامها بالانتهازية وبالإمبريالية.. المتمثلة في الرغبة الجامحة في السيطرة على العالم (بكل الطرق، المشروعة وغيرها) وادعائها حماية مبادئ: الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، في الوقت الذي تقف فيه ـ بالفعل ـ ضد هذه المبادئ. هذا، إضافة إلى تحالفها مع الحركة الصهيونية العنصرية، ولجوئها (وحلفائها) المستمر لازدواجية المعايير، وإشعال الفتن والحروب.
وكل ذلك ينمّ عن توجه أمريكي مفرط في الأنانية.. ولا يكترث ـ بقدر مناسب ـ بأمن وسلام العالم الحقيقيين، ويتجاهل مصالح غيره، بل ويستفز هذا الغير.. الأمر الذي يسيء حتى إلى المصالح الأمريكية العليا، في المدى الطويل، ويؤكد عدم قدرة أمريكا على (قيادة ) العالم في اتجاه الأمن والسلم الحقيقيين، واتجاه التنمية الإيجابية المستدامة، التي الإنسانية في أمس الحاجة لها. ومن غير الإنصاف، بالطبع، أن نرد هذا الوضع الاقتصادي ـ السياسي العالمي التعس إلى بعض السياسات الأمريكية فقط. فهناك (أسباب) أخرى.. من أهمها: الانفجار السكاني العالمي.. وعدم كفاية الموارد الطبيعية الراهنة، في العالم، لمقابلة هذه الزيادة الهائلة في السكان، خاصة في بلاد العالم النامية. أضف إلى ذلك: سوء الإدارة، والفساد.. الذي استشرى في أغلب العالم، وبقدر لم يعهده العالم من قبل.