حمود البدر
فلنجادلهم بالتي هي أحسن
نحن المسلمين جميعاً ومعنا العقلاء والمنصفون (من أتباع الديانة المسيحية) نقدِّر الرسل كلهم ولا نفرق بين أحد منهم، ويسيئنا كثيراً ما قد يفعله الجهلة والمغرضون، أو يقولونه عن نبينا خاتم الرسل عليه (وعلى من سبقه من أنبياء الله ورسله)، أفضل الصلاة والسلام.
ولاشك أن ما يفعله بعض المغرضين هنا وهناك في هذا الزمن أو قبله (أو بعده) من إساءة إلى خاتم الأنبياء نشجبه. ولا نرضى بأن تمس عقيدتنا بأي شكل من الأشكال. ومن ذلك ما حاولت بعض وسائل الإعلام في هذه البلاد أو تلك أن تسيء به إلينا، لأننا مؤتمنون على عقيدة التوحيد وشرائعها وعلينا أن ندافع عنها بكل وسيلة فاعلة تؤدي إلى إيقاف المسيئين عند حدهم، وليكن في علمنا أنهم ـ مهما عملوا ـ لن ينقصوا من قيمة الرسول ومكانته لأن الله قد رفع له ذكره.
إلا أن البحث عن الأسلوب الأنسب للتعامل مع المعتدي أيا كان مكانه (أو جنسه أو جنسيته) أمر مهم وأن نوضح الرأي الأصوب حيال من عادانا، وكلما استطعنا أن نتعامل مع المشكلة بنحو سلمي ومنطقي فربما كان ذلك أنسب من استثارة العواطف من خلال المواجهة، والخطوة الأولى التي يجب أن نتعامل بها حيال المعتدي هو التعرف على خلفيات المشكلة ثم الشروع في اختيار الأسلوب الأنسب، فقد تكون هناك أسباب معينة وراء ذلك العدوان؛ وعندئذ نختار الأسلوب الأفضل لمواجهة الموقف، فقد أمرنا الله سبحانه بأن نتحاور مع الطرف الآخر قبل أن نُشهر السلاح في وجهه لأن مجرد بروز السلاح يخلق نوعاً من المقاومة غير المدروسة، بل ربما أدى ذلك إلى المزيد من العدوان فتكون النتيجة أسوأ من نقطة البداية.
فالله يقول: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم».
ويقول الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن».
ويبدو لي ـ والله أعلم ـ أن البشر يخجلون حينما يجري التعامل معهم بأسلوب لبق لتوضيح وجهة النظر، مما يؤدي في الغالب إلى الوصول إلى حل أقل خطراً من الحل الذي ينجم عن المواجهة وخصوصاً إذا كان الطرف الآخر مسنوداً بجهات تحميه وتمده بالسلاح عند المواجهة.
نعم؛ لقد واجهنا مشكلة تهجم بعض الوسائل الإعلامية في دولة أوروبية (الدنمارك) على رسولنا ونبينا، وذلك مما يزعجنا، ولكننا لم ننح إلى أسلوب دراسة المشكلة بأسلوب هادئ لمعرفة أساسها ومن ثم التعرف على الأسلوب الأمثل لإطفائها بدلاً من إشعالها، فقد يكون أساسها انتقاماً من فئة معينة، أو أشخاص معدودين يراد كسر شوكتهم، وقد يكون أساس المشكلة تصرفات فردية قام بها جاهل أو متجاهل يظن من قام بها أنه يخدم دينه في حين أن ردود الفعل لم تتجه إلى الفرد الذي صدر منه التصرف المثير وإنما انصرفت هذه الردود إلى أصل الدين كرد فعل غير منصف وغير متعقل.
والذي أراه أن يقوم المخلصون من أتباع شريعة محمد عليه الصلاة والسلام بدراسة المشكلة ولو من خلال مواطنين من ذلك البلد الذي انطلقت منه الإساءة للتعرف على وجهة نظر أولئك الذين تجرأوا على نشر تلك الرسوم المسيئة، ثم بعد ذلك نبحث عن أنسب الحلول التي قد تخجلهم فتجعلهم يتراجعون عن ذلك العمل، ومن الأرجح ألا يعودوا إليه.
فإن أصروا على انحرافهم؛ فعندئذٍ نبحث عن وسائل أخرى توقفهم عند حدودهم.
ومن ذلك تفعيل العمل الدبلوماسي من خلال الأصدقاء للسعي لإطفاء الفتنة فإن لم ينفع هذا أو ذاك عندئذ نلجأ إلى مبدأ: (مادون الحلق إلا اليدين).
ولنتذكر أن ديننا يأمرنا بأن لا نرد ونحن في حالة غضب، لأن ذلك قد يضر أكثر مما ينفع، فقد أمرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام بأن يجلس المرء إذا اعتراه الغضب وهو في حالة وقوف، وأن ينام إذا كان في حالة جلوس عند الغضب، وذلك من أجل هدوء الأعصاب حتى تكون ردود الفعل أقرب إلى الصواب.
ومن ذلك أن الرجل إذا طلق زوجته وهو في فورة الغضب وثبت ذلك لدى القاضي فإن الطلاق لا يقع في تلك الحالة.
وكل هذا لا يمنع بأن نستعين بكل وسيلة فاعلة توقف المعتدي عند حده، لكن بعد التأكد من مصداقية الوسيلة، فإن كانت في هيئة قطع علاقات مع المعتدي فليكن ذلك بهدوء وبدون استثارة، وإن كانت في هيئة مقاطعة بضائع فليكن ذلك بعد التأكد بأن ذلك البلد (أو الشركة) هو المصدر الذي نسعى إلى تأديبه ولكن بهدوء وثقة.
hamoud@albadr.com