الاستقرار.. التنمية.. الديمقراطية
بالأمس القريب أعلن الرئيس التاريخي لكوبا فيدل كاسترو تخليه عن السلطة بشكل رسمي ونهائي بعد ما يقارب خمسين سنة قضاها في الحكم. فمنذ الثورة عام 1959 وكاسترو الزعيم الأوحد لبلد يعتبر من الأنظمة القلائل في العالم التي صمدت في وجه الضغوط الغربية وأبقت على نظامها الاشتراكي. وينظر الكثيرون إلى أن تكون استقالة كاسترو, نتيجة مرضه المزمن, بداية عهد جديد من التحول الديمقراطي في كوبا.
خلال فترة حكم كاسترو الطويلة تم تسييس كل شيء في كوبا, بما في ذلك السيجار الهافاني الفاخر الذي كان يصل كهدايا للحكام الديكتاتوريين في العالم, لكنك لا تجده في الغالب في السوق الأمريكية نظراً للمقاطعة الاقتصادية ضد كوبا. ولم يوفر حكمه لكوبا سوى الاستقرار السياسي, لكن الوضع الاقتصادي غير جيد ومستوى الحريات والمشاركة السياسية رديء إن لم يكن معدوماً. فأي من هذه القيم سوف تحظى بالأهمية من وجهة نظر الساسة والشعب في كوبا؟ وهل يمكن الفصل بينها؟
العلاقة بين قيم الاستقرار والتنمية والديمقراطية وثيقة الصلة بشكل عام, ما عدا في الفكر الشيوعي الاشتراكي, الذي يركز على العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية لكنه غير ملائم للتنمية الاقتصادية وغير الاقتصادية, مع أنه يوفر قدراً جيداً من الاستقرار السياسي نتيجة سياسة القبضة الحديدية التي يمارسها في الشأن السياسي. بالرغم من أن هذا الاستقرار المزعوم قد لا يطول أمده تحت الضغوط الداخلية والخارجية, سوى في كوبا التي استطاعت تجاوز كل الأزمات والضغوط التي تعرضت لها وحافظت على استقرارها حتى بعد توقف الدعم الاقتصادي من موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. واستطاعت فعل ذلك دون إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية, على خلاف بعض الأنظمة الشيوعية الأخرى مثل الصين.
نستطيع التأكيد هنا أن الفصل بين هذه القيم الثلاثة غير ممكن عملياً خاصةً في ظل التحولات والتحديات التي فرضتها العولمة. فعدد الدول الديمقراطية في العالم يربو على 118 دولة والغالبية الساحقة منها تتمتع بقدر جيد من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية. وهناك اعتقاد جازم لدى المفكرين والباحثين في مجال التنمية السياسية بأن الاستقرار غير ممكن بدون تنمية, بينما لا يمكن تعزيز التنمية بدون استقرار, وتكون إمكانية تحقيق الاثنتين أكبر إذا كان النظام ديمقراطيا. بل إن التنمية الاقتصادية تحفز جوانب التغير الأخرى – الاجتماعية والسياسية- مما يجعل المجتمع يبدأ في التحول نحو بناء المؤسسات الديمقراطية, وفقاً لنظرية التحديث الغربية التي أثبتت في الغالب نجاحها في دول كثيرة من العالم.
في اعتقادي أن الفرد مجبول على حب الحرية رغم أنه من السهولة أن ينقاد خلف الآخرين, لكن هذه الحرية يجب أن لا تكون فوضوية لأن هناك خيطا رفيعا بين الحرية والفوضى. وهنا يكمن دور التحول التدريجي لضمان الاستقرار ووضع الضوابط وتطوير المؤسسات القادرة على تحقيق تلك النقلة النوعية في حياة المجتمع. كما أن التنمية هي ذاتها مهمة, لأنها تكفل تقدم المجتمع وتعزز قدرته على حل مشاكل الصراع الداخلي بطريقة سلمية وبعيداً عن القبضة الحديدية. وعندما تتحقق التنمية يصبح المجتمع مخزناً للقيم البناءة: الانتاج, العمل, الاستقرار, المشاركة...الخ.
وهكذا تتعزز فرص بناء الدولة الحديثة "الفعالة", وتتضاءل فرص الفساد فيها ويصبح التخصص والكفاءة عنوان العمل السياسي, ويكون البقاء للأفضل في الغالب. والأفضل هنا ينطبق على الأفكار والأفعال على حد سواء.
فترة حكم كاسترو كانت مرحلة استثنائية في كوبا ولن تتكرر, حتى لو تمتع راؤول كاسترو بنفس كاريزما ومواصفات فيدل فلن يستطيع الوقوف في وجه تحول المجتمع الكوبي على خطى الانفتاح السياسي. لأنها مرحلة تاريخية شارفت على نهايتها, والتاريخ لا يعيد نفسه كما يعتقد البعض, وإذا أعاد نفسه فإن ذلك يكون وفقاً لمعطيات وشخوص جديدة وقوانين مختلفة.
knhabbas@hotmail.com