زاوية منفرجة
جعفر عباس
رد الجميل ولو بالموز
في فبراير من عام 1943 كانت الطفلة الانجليزية بيتي هايد ذات الأربع سنوات، نزيلة مستشفى لوشام بجنوب لندن، هي وأختها بسبب إصابتهما بشظايا قنبلة ألقتها طائرة ألمانية على لندن، عندما زارتهم في المستشفى الملكة أليزابيث أم الملكة إليزابيث الحالية والتي توفيت عن 101 سنة قبل سنوات قليلة.. (يبدو ان الأسرة المالكة البريطانية تعاني من شح في الأسماء فعلى مدى قرون ظلت أسماء ملوكهم وملكاتهم تنحصر في إدوارد وهنري وجورج وريتشارد وإليزابيث وميري).. اقتربت الملكة الراحلة من الصغيرة بيتي هايد وقدمت لها اصبعين من الموز قائلة لها ان ابنتها إليزابيث (الملكة الحالية)، طلبت منها تقديمها لها بوصفها أصغر ضحية للغارات النازية، وكبرت بيتي وتخصصت في مجال الرعاية الطبية إلى ان تقاعدت، وفي 23 يناير المنصرم كانت الملكة اليزابيث تقوم بافتتاح قسم التصوير في مستشفى في مقاطعة نورفوك بانجلترا، عندما تقدمت منها سيدة عجوز ومدت لها اصبعين من الموز قائلة: هذا وفاء لدين عمره 65 سنة.. قدمت لي أمك نيابة عنك موزتين، وقد سمعت بزيارتك للمستشفى وقررت رد الجميل بإهدائك موزتين.. أضاء وجه الملكة بابتسامة الرضا الصادق وهتفت: شكرا لك.. هذه لفتة كريمة منك (تذكر ان من تقول ذلك ملكة تلقت موزتين هدية ردا على موزتين تبرعت بهما عام 1943) .. كبرت ملكة انجلترا في نظري لأنها قبلت الهدية البسيطة بسرور بالغ... ووددت لو التقي بالسيدة بيتي هايد لأقول لها: أنت بنت أصول.. وجميلة الروح والقلب
حفظ الجميل ورده من خصال الإنسان الجميل جوه وبره، ولا يعني رد الجميل ان تعطي من منحك ألف دولار في ساعة زنقة، 5000 دولار عندما تنصلح أحوالك المادية، بل يعني أن تجعله يحس على الدوام أن صنيعه في ذاكرتك.. ولو دخلت عليه وهو مريض بكيس من البرتقال والتفاح فإن ذلك يساوي عنده آلافا مؤلفة.. والمشكلة هي ان نكران الجميل ليس وقفا على الأفراد، بل تجد دولا قدمت لها دول الخليج والجزيرة العربية العون والمنح والهبات، لا تفوت فرصة الاستخفاف بتلك الدول أو الإضرار بمصالحها... وهناك نحن أعضاء الجاليات المهاجرة في منطقة الخليج.. أقل ما نستطيع ان نفعله من باب رد الجميل لبلدان قدمت لنا الوظائف والعيش الكريم – مثلا – أن نشجع أنديتها الرياضية عندما تتنافس مع فرق أجنبية (هذه لا أقدر عليها شخصيا لأنني محصن ضد الانفعال بالأحداث الرياضية).. أن نذكرهم بالخير في وسائل الإعلام كلما اتيحت لنا الفرصة.. أما أبشع أشكال نكران الجميل فهو إهمال الوالدين من قبل الأبناء.. وهذا طاعون بات مستشريا في مجتمعاتنا.