أفيـــــــــــاء
تريث قبل أن ...
إن كنت تنوي أن تمتهن الكتابة، فإني أنصحك أن تتريث قليلاً، فالكاتب يعرض نفسه على الناس، ومن يعرض نفسه على الناس عليه أن يتحمل أحكامهم عليه، وهي في كثير من الأحيان تكون أحكاماً قاسية، وربما غير عادلة، فإن لم تكن ذا جلد ومتانة أعصاب، فإنك ستنهك من كثرة ما يطلق عليك من الأحكام الظالمة.
في بعض الأحيان يشعر الكاتب أنه ليس أمامه سوى أحد أمرين: إما أن يتجاهل ما يُقال حوله وما يصدر عنه من أحكام، ويمضي في خطه الذي انتهجه مؤمناً بصوابه، وإما أن يتراجع وينحني ليغير مساره في اتجاه يرجو أن ينال فيه رضا الناس وينجو من سيئ أحكامهم.
إلا أنه في الغالب، مهما غير الكاتب مساره وسعى إلى طلب رضا الناس، هو، في نهاية المطاف، لن ينال ما يريد، فمن طبع الناس أن يظلوا دائماً يجدون ما يعترضون عليه، ويلومونه بسببه. وحين كنت أقلب في بعض الأوراق التي أحتفظ بها عندي وجدت أن علي أمين عندما كان في المنفى، كتب حول هذا المعنى في زاويته (فكرة) يصف معاناة الكاتب مع الناس وكيف أنه لن ينجو من اعتراضهم والوقوع ضحية أحكامهم الجائرة، يقول: «إذا اختلفت مع رأي الأغلبية فأنت شاذ خارج عن الجماعة، وإذا وافقت رأي الأغلبية، فأنت إمعة لا تدري ما تفعل. وإذا سكت فأنت جبان، وإذا انتقدت ما لا يعجبك، فأنت مفسد مخرب، وإذا تكلمت عن أمم أخرى بشيء من المديح أو الرضا، فأنت خائن تسعى إلى تسميم العقول والأفكار بآراء مستوردة. وإذا ابتعدت فأنت سلبي غير مكترث. وإذا أقبلت تعمل فأنت صاحب أطماع تسعى وراء مصالحك».
ومن يتأمل في عبارات علي أمين، وهو الكاتب المتمرس ذو الباع الطويل في عالم الصحافة، يدرك مدى المعاناة التي يمكن أن يواجهها من يحمل القلم ليكشف للناس عما في قلبه، إلا أنه مع ذلك متى كان الكاتب أصيلاً، فإنه لن يثنيه شيء، فالكاتب الأصيل كما يقول عنه زكي نجيب محمود: «صاحب رسالة، وهو كاتب لأنه لا يطيق حبس فكرته في رأسه، ولا يكفيه أن يكتب ما يكتبه ليضعه في أدراج مكتبه، إنها رسالة والرسالة لابد أن تنشر في الناس، ولهم بعد ذلك أن يقبلوها أو يرفضوها».
فاكس 4555382 ص.ب 86621 الرياض 11622