د. توفيق السيف
رئيس الكنيسة الإنجليكانية وتطبيق الشريعة في بريطانيا
ظننت ان كثيرا من العلماء وقادة الرأي سوف يبادرون الى توجيه الشكر لرئيس الكنيسة الانجليكانية بعدما دعا الى السماح للمسلمين في بريطانيا بالتقاضي وفقا لاحكام الشريعة الاسلامية، لا سيما في قضايا الاحوال الشخصية . ويعتبر روان ويليامز، أسقف كانتربري، اعلى رجال الدين رتبة في بريطانيا كما انه الزعيم الديني لاتباع الكنيسة الانجليكانية في افريقيا واسيا والامريكيتين. ولقيت دعوته تلك انتقادات واسعة في بريطانيا، لمبررات دينية احيانا وقانونية احيانا اخرى وسياسية في معظم الاحيان. وبغض النظر عن التأثير الفعلي لاراء الاسقف على سياسات الحكومة البريطانية، فان تصريحاته تدل دلالة واضحة على تحولات مثيرة للاهتمام في موقف النخبة البريطانية من الطائفة المسلمة في هذا البلد .
يصل عدد المسلمين في بريطانيا الى 1.6 مليون نسمة او ما يعادل 2.5 بالمئة من اجمالي السكان. ويبدو ان اوائل المهاجرين جاؤوا من الهند في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أسسوا اول مسجد لهم في مدينة كارديف، غرب بريطانيا عام 1860. حتى وقت قريب مال معظم المسلمين البريطانيين الى الانعزال عن الحياة العامة، وخسروا بسبب ذلك فرصا كبيرة لتحسين اوضاعهم وزيادة تأثيرهم في مجريات السياسة العامة . لكن منذ اوائل الثمانينات من القرن العشرين، حصل ما يمكن وصفه بوعي جديد بالذات، اثمر عن حركية عالية، محورها دفع المجتمع والدولة البريطانية الى الاعتراف بهم كمواطنين يتمتعون بنوع من الخصوصية الثقافية، اضافة الى الحقوق الاعتيادية المقررة لكل مواطن . وبذلت الحكومة البريطانية، - خاصة في العقدين الماضيين - جهودا تستحق التقدير لتجسير الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين مواطنيها المسلمين وبقية السكان . وتركز جانب مهم من الجهد على اقناع المسلمين بالمشاركة في الانتخابات العامة وترشيح افراد منهم للمجالس البلدية والبرلمان . كما عينت عددا من المسلمين وابناء الاقليات الاخرى في مناصب ذات قيمة رمزية مثل عضوية مجلس اللوردات، والهيئات القضائية وقيادات الشرطة والجيش والخارجية. وعلى المستوى الاجتماعي جرى اعتماد الاعياد والمناسبات الاسلامية الرئيسية كمناسبات ثقافية يجري الحديث عنها والاحتفال بها في المدارس الحكومية التي تضم طلبة مسلمين.
في هذا الاطار فإن تصريحات اسقف كانتربري تمثل ذروة في الاتجاه المتنامي بين النخبة البريطانية لاعادة صوغ الهوية البريطانية على نحو يناسب واقع هذا البلد في هذا العصر . تتضمن هذه العملية التخلي عن الصيغة التقليدية التي تصور بريطانيا كبلد مسيحي - انجلوساكسوني، وتصويرها من جديد كبلد متعدد الثقافات، يتمتع مواطنوه بحقوق متساوية تضمنها الدولة، بغض النظر عن انتمائهم العرقي او الديني. رغم ان هذا الاتجاه قد تصاعد منذ منتصف الستينات الميلادية، حين تزايد عدد المهاجرين المسلمين من شبه القارة الهندية الى المناطق الصناعية في بريطانيا، الا ان ابرز تجلياته العملية ظهرت في 1976 حين اقامت الحكومة هيئة عليا للمساواة العرقية تتمتع بسلطات واسعة واستقلال كامل عن اجهزة الدولة، وغرضها المركزي هو مكافحة التمييز ومساعدة الاقليات على الاندماج في المجتمع الوطني من خلال تفعيل وحماية حقوقها الدستورية.
عودا على موقف العلماء وقادة الرأي المسلمين من تصريحات الاسقف ويليامز، فقد كان ينبغي على هؤلاء التعبير بوضوح عن موقف مساند للرجل. ليس فقط لأن مسلمي بريطانيا يستحقون الحصول على اقرار رسمي بالحق في التقاضي وفقا لدينهم، بل وايضا لان تصريحاته بذاتها دليل على رغبة قوية في مد الجسور بين الاغلبية المسيحية والاقلية المسلمة في هذا البلد، من خلال الاعتراف بحقوقهم الدستورية اولا، اضافة الى الاعتراف بما يترتب على خصوصيتهم الدينية والثقافية، والتي لا تنطبق بالضرورة على باقي المواطنين. يمكن ان يشكل هذا الاعتراف مستندا قويا لاعاقة صدور قوانين مماثلة لتلك التي صدرت في فرنسا ومنعت بموجبها الفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس العامة . لكن على المدى البعيد، فان تعبيرات كالتي صدرت عن رئيس الكنيسة الانجليكانية سوف تسهم في تعزيز شعور مسلمي اوروبا بالامان والاستقرار الروحي، اي تعزيز انتمائهم الى البلد الذي يعيشون فيه ويحملون جنسيته باعتباره وطنهم النهائي، وليس مجرد مكان مؤقت للعمل فرضته الظروف القاهرة.
talsaif@dms-ksa.com