المحجبة والأمريكي
الكاتبة الإنجليزية «دوريسي ليسنج» التي تقترب من بلوغ التسعين صاحبة نوبل في الأدب 2007م، والتي عاشت في البدايات في جنوب أفريقيا مع والديها، يكاد إنتاجها الضخم من القصص والروايات ينصب على الحالات الإنسانية ومشاكل البسطاء.. وهذا الإنتاج هو الذي جعلها تحصل على خمس جوائز أدبية من مختلف الأوساط الأدبية الأوربية حتى توجت العام الماضي بجائزة نوبل في الأدب عن روايتها الرائعة «الصيف قبل الظلام» ولقد عرفتُ «دوريسي» منذ زمن طويل لأنني مولع بالقصص والمواقف الإنسانية ولأن الوعي بمشاكل الناس، خاصة البسطاء، شعور وإحساس يتملكني بل إن اليوم الذي يمر ولا أحظى بالمشاهدة او المشاركة في موقف إنساني لا أحسبه من عمري.. البداية كانت بسيطة بساطة ذلك الموقف الذي شاهدته في بريد وسط مدينة شمال كانسس، وهذه المنطقة كل ما تملكه توليفة فريدة من التاريخ، أهل هذه المدينة استطاعوا -رغم تعاقب السنين- أن يحافظوا على إنسانيتهم بحيث ظل ذلك جزءاً من حياتهم العصرية يتضح ذلك من القصة التي أرويها لكم، وهذه القصة في الحقيقة من الواقع اليومي في هذه المنطقة؛ كان يوم سبت بارداً جداً وهادياً حتى الموت، قصدت مبنى البريد والمتميز بلونه الجيري الأحمر، حيث تصبغ كل مباني الحكومة في هذه المنطقة بهذا اللون.. البريد هنا ليس رسائل وطرودا وبرقيات بل هو خدمة المواطن من المهد إلى اللحد من إصدار شهادة ميلاد مفقودة حتى إعادة إصدار شهادة وفاة وتصديقها أيضاً واستخراج جواز سفرلك وتصويرك وإرساله على عنوانك في أقل من اسبوع، كان الطابور الذي أقف فيه قصيرا يضم فئات وشرائح متباينة.. لفتت انتباهي امرأة حنطية مسلمة تربط رأسها بحجاب سميك تسبقني في الطابور، امرأة تبدو أن أفراحها قليلة واحزانها كثيرة فملابسها التي ترتديها يبدو أنها ليست من اختيارها بل من اختيار الزمان، فلو كانت باختيارها لما ارتدت ذلك المعطف المرقع ولخلعت ذلك الحذاء القذر.. توقفت عند رجل البريد وكان رجلاً متقدماً في السن لا يعرف التكشير ولا التكدير، جميل الروح، رأيته كيف يعامل الآخرين، أخرجت من جيبها رسالة مدعوكة مفركة متجعدة الزوايا وبدأت تخرج من جيبها الآخر فراطة لا تزيد على الدولار، كان الموظف يتأملها بابتسامة تشعر أن خلفها نوعا من التضامن العاطفي، كان حواراً بسيطاً مقتضباً بين الموظف والمرأة التي تبين لي أنها سودانية تحمل كل سمات الاغتراب النفسي، كانت عباراتها تتواتر؛ أريد ان تصل رسالتي في أقرب وقت إلى ابني في الخرطوم، قال لها ممازحاً: ولكن ما معك لا يغطي أجرة نقل هذه الرسائل بواسطة الحمام الزاجل، فرت دمعة من عينيها كشفت له فيها عن جروحها؛ كانت بتلك الدمعة تشحت اهتمامه، ولأنه رجل لديه قلب بين ضلوعه وليس بطارية أعاد إليها نقودها القليلة وقال لها ستكون هذه الرسالة عند ابنك في أقل من ثلاثة أيام، كنت أتأمل الموقف وأنا أكاد ارتكب حماقة اجتياز الطابور ومساعدة المرأة لكنه ـ وخلافا لما كنت انتظر ـ أدهشني الرجل بتصرفه وأدهشني أكثر فلسفته، كنت أصفق له بدموعي تلك الدموع لم تكن بكاءً إنما هي فيض وجد نوع من الشعور ينتاب الإنسان منا عند رؤية مثل هذه المواقف التي يندر أن تقابل مثلها احترت ماذا أقول له عندما وقفت أمامه قلت له مافعلته مكلف جداً، ضحك ضحكة صافية وقال لي معظم الناس يعتقدون ان مسراتهم في الأشياء التي يستمتعون بها وليس الأشياء التي تشعرهم حقيقة بالسرور، أنا افعل أشياء بسيطة تجلب السرور لأصحابها ولي، هذه الأعمال تجعلني وتجعل الآخرين يتصورون بأن هناك لا يزال خير في الحياة، وودعت ذلك الإنسان الذي يعيش في عالم بلا اعداء، رجل بالتأكيد لم يقرأ «صراع الحضارات» لـ«صموئيل هنتنجتون» ولا «نهاية التاريخ» لـ«نونيس فوكايوما» ولا «النظام العالمي الجديد» لـ باري بوزان التي تقول مجتمعة ان هناك عدوا للحضارات الغربية مصدره الإسلام والكنفوشسية وخطة الغرب لمحاربة هذه الاتجاهات المدمرة حتى يتمكن العالم من أن يعيش في سلام.. لقد أثبت لي ذلك البسيط أن احترام الإنسان للإنسان ليس امراً صعباً وان الآدمي كلما بعد عن السياسة تقلص لديه الخوف من الآخر والاقتراب منه وتبادل معه أحلى وأصعب ما يمر به وأن من يملك «إيماناً يستطيع أن يصنع يقيناً» وان الكائن الجيد كائن مشع نستطيع تمييزه بسرعة عن طريق أسلوبه المميز الأمين ومحبته للآخرين بغض النظر عن دينه وهويته وأن الإنسانية تولد مع الإنسان وربما كانت جينات.. ولا أهمل نقطة ان قلت انها تكتسب أحياناً من المجتمع واننا من السهل جداً ان نكون ذلك الرجل في مكان ما!! ونحدث فارقاً في حياتنا وفي حياة الآخرين وفي العالم من حولنا.