حدود الملكية الفكرية
شركة أمريكية للاستشارات تقدّم خدماتها للعملاء في المنطقة من خلال فروع إقليمية في كل من الرياض والمنامة ودبي. وقد قامت هذه الشركة بإعداد تقرير خاص عن حالة التعليم في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتكليف من مؤتمر قادة التعليم لدول الخليج المنعقد للفترة من 28-29 نوفمبر 2007م. وموضوعي في هذه المقالة ليس مضمون التقرير لأن الحكم بقيمته يختلف باختلاف القرّاء ومدى علمهم المسبق بما ورد فيه من بيانات ومعلومات وتحليلات خاصة في ما يتعلق بالنتائج التي توصّل إليها من انخفاض مستوى الخريجين، وضعف مستوى تعليم الرياضيات والعلوم في الدول العربية ومنها الخليجية على وجه الخصوص، لكن الموضوع هنا هو عبارة تصدرت الصفحة الأولى من النسخة التي تسربت إلى أيدي الناس من التقرير ويتم تداولها حالياً على نطاق واسع. وتنصّ تلك العبارة على التالي “هذا التقرير يحتوي على معلومات سرّية، وهي ملك لشركة.. وهي مخصصة لاستخدام موظفي الشركة فقط. ولا يجوز استخدام أي من المعلومات الواردة فيه أو تداولها أو الإشارة إليها أو إعادة إنتاجها خارج الشركة. وإذا لم تكن من الأشخاص المصرح لهم بالاطلاع على هذا التقرير فها أنت تعلم أن استخدامه أو تداوله أو الإشارة إليه محظور وربما كان مخالفاً للقانون”.
وسواء تم تسرّب هذا التقرير بشكل عفوي من أحد المشاركين في المؤتمر أو أن الشركة سرّبته بشكل متعمّد من قبيل الدعاية لنفسها بصفتها شركة معروفة عالمياً بالاستشارات الإدارية وأرادت أن تقول للجميع أنها تقدّم أيضاً استشارات في مختلف المجالات ومنها التعليم، إلا أن تصدير هذا التقرير بمثل هذه العبارة مرفوض لعدّة أسباب من أهمها أنّ هذا التقرير قد أعدّ للاستخدام من قبل مؤتمر إقليمي وبتمويل منه وليس لفرد أو مؤسسة أو شركة تعمل في القطاع الخاص، ولم يعد بالتالي ملكاً للشركة التي أعدته، ويحق للمؤتمر أن يستفيد منه بالطريقة التي يراها وليس من حق الشركة بعد تقديمه أن تفرض على من يقرأه ألا يستفيد من المعلومات الواردة فيه بأي شكل من الأشكال.
أما القراء الذين يقع التقرير في أيديهم بعد تقديمه للمؤتمر وظهوره إلى حيّز العلانية وتداول المعلومات الواردة فيه في وسائل الإعلام فيختلفون باختلاف خلفياتهم، فمنهم القارئ العادي الذي لا يتعدى استخدامه للتقرير حدود الثقافة العامة والعلم بالشيء، ومنهم، وهذا هو الأهم، طالب العلم والأستاذ والباحث الأكاديمي المتعطش لمعلومات وبيانات إحصائية في بيئة تنقصها الشفافية والمعلومات الحديثة أو المحدثة، وهذا القارئ على وجه التحديد لا يستطيع إلا أن ينظر للتقرير نظرة مختلفة ولا بدّ أن يحاول الاستفادة منه بشكل أو بآخر في بحث أو دراسة أو حتى تدريس. وهذه هي المعضلة التي واجهتني على وجه التحديد، فهذا التقرير وقع في يدي أثناء تحديثي لمادة (الاقتصاد السعودي) للتدريس في الفصل الدراسي الحالي، وبحكم احتوائه على معلومات وبيانات أحسب أنها قيّمة ولا تتوفر بنوعيتها وأسلوب عرضها من مصادر أخرى ويمكن أن توظف في التدريس ضمن مؤشرات التنمية البشرية، ولكن الأمانة الأكاديمية تمنع من استخدامها والاستفادة منها بأي شكل من الأشكال بسبب العبارة التي تتصدّر التقرير. ورغم الامتناع الطوعي من معظم الأكاديميين ـ حسب ظنّي ـ عن الاستفادة من هذا التقرير إلا أن البعض قد يقعون ضحيّة لإغراء المعلومات الواردة فيه بالاستفادة منها ونسبتها إلى أنفسهم أو دون الإشارة إلى مصدرها على الأقل، وهم في الحالتين يرتكبون مخالفة قانونية وأكاديمية قد يحاسبون عليها، فما الحل إذاً. يستحسن ألاّ يكون الحل ـ من وجهة نظري ـ جزئياً ومقتصراً على هذا التقرير بالذات بالاستئذان كالمعتاد من الشركة المنتجة للاستفادة من المعلومات الواردة فيه، ولكن يستحسن أن يكون شاملاً لكافة الحالات المشابهة لهذا النوع من التقارير التي من الممكن أن تعامل وفق معايير مختلفة عن معايير حقوق الملكية الفكرية الخاصّة غير المحدودة، وذلك باستحداث معايير جديدة للتعامل معها كملكية عامة لأن الشركات التي تقدّمها تقوم بذلك كخدمة تجارية مدفوعة الثمن لمؤتمرات وطنية على المستوى الخليجي أو العربي في موضوعات عامة على قدر كبير من الأهميّة لكافّة المواطنين وأصبحت المعلومات الواردة فيها بالتالي ملكاً وحقًّا مكتسباً لكل مواطن ساهمت بلاده في (تمويلها) من ميزانيته الوطنية ومن قوت يومه، ويمكن بالتالي أن يستفيد منها بأي شكل يريده. والحل يكمن في أن تعيد وزارات الإعلام في العالم العربي النظر في حدود الملكية الفكرية لمثل هذه التقارير التي تتعامل مع قضايا عامّة وتموّل من أموال عامّة ويتم تداولها في مؤتمرات وندوات ووسائل إعلام خارج حدود الشركات المعدّة لها بحيث لا تتعدى حدود الملكية الفكرية المتعارف عليها التي تحفظها القوانين والأعراف الدولية ومتطلبات العضوية في منظمة التجارة العالمية دون مصادرة حقّ الآخرين ومنهم الأكاديميون والباحثون في أي مكان في العالم في الاستفادة العلمية منها بالنقل والإشارة والتهميش بالطرق الأكاديمية المتعارف عليها لحفظ الحقوق ونسبة الفضل إلى أهله بلا ضرر أو ضرار.. altawati@yahoo.com