نجيب عصام يماني
أدعوةٌ في مكة المكرمة ؟!
تدفعني الحياة كلما ضاقت حلقاتها، وتعقدت إلى الهروب منها فلا أجد أمامي إلاّ مسقط رأسي مكة المكرمة سيدة الدنيا مهبط الوحي ومسرى نبي الرحمة ومركز الكون ونبع الهداية الصافي حيث الهدوء والسكينة والراحة والأمل المتجدد. أتجول في حواريها، استنشق رحيق هوائها وعبق ترابها وعبير ماضيها تأخذني ذكريات جميلة محبّبة إلى نفسي، تمر مراحل عمري كشريط سينمائي، متنقلاً بين طفولتي وشبابي وأيام دراستي وتحصيلي العلمي في مدارسها المختلفة. حتى غرّبتني الحياة لظروف الدراسة الجامعية وطلب العيش والأكل من رزقه والمشي في مناكب الأرض. وكنت كلما ازددت عنها بعداً ازددت لها حباً وقرباً. أهرع إليها، أرتمي على أعتاب أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً لترتاح نفسي وتسمو روحي، أعصر نفسي من الخطايا والذنوب. أجدّد الأمل وأحس أني قريب من خالقي مرتبطة به نفسي. وأخرج منها وكلي أمل ورجاء في غد أفضل وأبرك بإذن الله.
في إحدى زياراتي المتكررة إلى مكة المكرمة وبعد أن غمرت نفسي بنورها الإلهي ورويت ظمأ نفسي من نبعها الأزلي المبارك أكملت رحلتي في أرجائها العامرة بالذكريات. ففي كل حي وشارع قصة، هنا مولده الكريم وبيت أم المؤمنين خديجة ومولد علي ودار الأرقم أول مدرسة في الإسلام. فيها هبط جبريل وعلى جبالها نزل القرآن وفي شعابها كان رسول الله يهدي الناس لرسالة التوحيد شهادة أن لا إله إلاّ الله وفي أعاليها تنام روح خديجة وابن الزبير وشهداء الإسلام ومن آمن بدعوته الكريمة. وصّى عتاب بن أسيد على أهلها خيراً وأنهم أهل الله وخاصته. فيها حرمه وأمنه وفيها بيته. لها أحكام خاصة بصيدها، ولقطتها، وشجرها، والقتال فيها، وإقامة الحدود بها، إلى كثير من الأحكام الفريدة بها. وقد لفت نظري في أحد شوارع مكة المكرمة الرئيسة لوحة كبيرة كُتب عليها مكتب الدعوة بالمعابدة. والناظر لهذه اللوحة تتضاعف لديه الدهشة والحيرة خاصة وأن مكة المكرمة لا تخلو على مدار العام من الزائرين والمعتمرين غير الحج والمناسبات الدينية الأخرى تصديقاً لدعوة إبراهيم عليه السلام بأن يأتوا إليها من كل فجٍ عميق، وكلمة دعوة في معناها الواسع المتعارف عليه تعني دعوة غير المسلمين إلى عقيدة التوحيد. فقد ارتبطت كلمة الدعوة بالدعوة إلى الله وهو المعنى الذي تواردت عليه معظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فلفظ الدعوة إذا أُطلق لينصرف عرفاً إلى الدعوة إلى كلمة التوحيد التي أتى بها محمد رسول الله ومكث يدعو إليها متحمّلاً في سبيل ذلك الكثير من الأذى والعنت ولعل تعريف علم الدعوة بأنه تبليغ الإسلام للناس وتعليمه إياهم، وبأنه مجموع القواعد والأصول التي يتوصّل بها إلى تبليغ الإسلام للناس وهدايتهم إليه قولاً وعملاً في كل زمان ومكان، فالمعنى الواسع لمصطلح الدعوة والذي تعارف عليه الناس في الماضي والحاضر هو الإسلام. يقول الله عزّ وجل: (يا أيُّهـا النبي إنـّّا أرسلنَاك شاهِداً ومُبشِّراً ونذِيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً). ويقول تعالى: (يا قوم أجيبوا داعي الله وآمنوا به). ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى دين الله ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة حتى أذِن اللهُ له بالهجرة إلى المدينة المنورة وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية. في مشارق الأرض ومغاربها. وكلنا كمسلمين والحمد الله نعرف جيّداً أن الله حرّم مكة المكرمة على غير المسلمين فلا يدخلها ويعيش على ترابها إلاّ موحّد بدين الله، تصديقاً لقوله تعالى: (يا أيُّهـا الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). والمُراد بالمسجد الحرام مكة كلها عامة. يقول الشافعي ليس للإمام أن يدع مشركاً يطأ الحرم بحال من الحالات، طبيباً كان أو صانعاً. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم». وقال ابن عباس: لا يدخل أحد مكة إلاّ محرماً والكافر لا يمكن إحرامه فامتنع دخوله. فالله قد حرّمها على الكافر بعد الفتح حتى لو دخل الكافر خفية ومات في الحرم ودُفن نُبش وأُخرج منه. تقديراً لمكانة مكة وقدسيتها وتعظيمها. فإن مكتب الدعوة القائم في مكة المكرمة لا داعي لوجوده في مكة فهو دعاية غير حسنة لمكة المكرمة ويحمل دلالات كثيرة غير مستحبة ووجوده في غيرها أولى فكل مدن المملكة تعيش فيها جاليات أجنبية تدعو الحاجة إلى دعوتهم إلى الإسلام والترغيب إليه ولمكاتب الدعوة دور محمود ونشاط مشكور في دعوة غير المسلمين للدخول إلى دين الإسلام والتوحيد برسالة محمد رسول الله آخر الأنبياء في غير مكة المكرمة، وفي يقيني واعتقادي أن مكاتب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنتشرة في مكة تقوم بدورها كاملاً وهم متواجدون في كل مكان لازالة المخالفات ومراقبة المنكرات إضافة إلى الجمعيات الخيرية التي تتولى توزيع الصدقات وإيصال الحسنات إلى مستحقيها ورعاية الأسر المحتاجة. إضافة إلى المبرات الخيرية القائمة على مدار العام.
فاكــس: 6975040 - nyamanie@hotmail.com