أفيـــــــــــاء
حول العمل التطوعي
عندما نتلفت حولنا ونجد أن العمل التطوعي يكاد يغيب عن ثقافتنا المجتمعية، يتبادر إلى أذهاننا أن الناس في مجتمعنا عازفون عن العمل التطوعي، وأنهم لا يفكرون في العمل سوى متى كان له مردود مادي، وربما أصابنا العتب على الشباب من الجنسين حين نجدهم يقضون أوقات فراغهم بأكملها خلال الإجازات أو غيرها، في نوم وتسكع في الأسواق أو تسمر طويل أمام التلفزيون، فلا يقتطعون بعضاً منها يملأونه بشيء من العمل التطوعي النافع.
وأذكر أني قبل سنوات قريبة استطعت أن أقنع بعض الشابات الصغيرات أن يشغلن جزءاً من عطلتهن الصيفية بالعمل متطوعات في بعض المؤسسات الخيرية المنتشرة في المجتمع، التي تقدم خدماتها احتساباً وتحتاج إلى من يمدها بيد العون مادياً أو معنوياً أو فعلياً. إلا أن أولئك الفتيات الشابات ما لبثن أن عدن إلي كسيرات بعد أن رفضت أكثر من مؤسسة قبول طلبهن العمل تطوعاً، وقيل لهن إن العمل المتاح لا يكون سوى عن طريق التعيين، أما العمل التطوعي فغير معترف به في نظام تلك المؤسسات.
من الواضح أن كراهية فتح الباب لاستقبال الراغبين في العمل التطوعي والميل إلى وضع العقبات أمامهم بدلاً من تشجيعهم، تدل على غياب مفهوم العمل التطوعي عن أذهان بعض المشرفين على مؤسسات المجتمع المدني، وهم في حاجة إلى إدراك أعمق لقيمة المشاركة التطوعية المبذولة من خارج المؤسسة. فالعمل التطوعي يعين المؤسسات الاجتماعية على أداء وظيفتها بصورة أفضل وأكمل، وهناك كثير من الاحتياجات التي قد لا تستطيع المؤسسات الوفاء بها عندما تكتفي بما لديها من امكانات محدودة، ويمكن للمتطوعين سد كثير منها بما يتوفر لدى بعضهم من خبرات ومعارف ومهارات. ومن الخير المضي قدماً نحو تشجيع الراغبين في العمل التطوعي مع جمعيات حقوق الإنسان، والمستشفيات، والجمعيات الخيرية، وجمعيات الرعاية الاجتماعية، أو مع المعاقين والمسنين (المنسيين) أو المدمنين أو غير ذلك، أما إغلاق الأبواب ووضع العراقيل في وجوه الراغبين والراغبات في العمل تطوعاً، فإنه يضيع على تلك المؤسسات فرصاً نافعة في الاستفادة من خدمات مجانية مخلصة.
ويوم الاثنين قبل الماضي صدرت موافقة مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 26/1/1429هـ على إنشاء (صندوق الوقف الصحي)، من أجل قبول المساهمات الطوعية المتمثلة في التبرعات النقدية والعينية للنهوض بالرعاية الصحية والإسهام في تمويل البرامج الوقائية والأبحاث الصحية، وإذا كان إنشاء هذا الصندوق سيمكن مؤسسات الرعاية الصحية من الاستفادة من التبرعات المادية، فإن التبرع بالعمل المجاني مازال متجاهلاً لا يجد من يحث عليه أو يشجعه، مع أنه لا يقل نفعاً عن التبرع المادي، وحاجة مؤسسات الرعاية الصحية أو الاجتماعية إليه عالية جداً، وهناك مواطنون قد لا يملكون فائضاً من المال يتبرعون به للإسهام في فعل الخير، لكنهم يملكون خبرات وجهداً، ووقتاً يمكنهم التبرع بها، فلم لا تتاح لهم الفرصة بتيسير ذلك عن طريق الإقرار الرسمي بالعمل التطوعي ووضع لوائح خاصة به تضبطه وتنظم العمل به؟
فاكس 4555382