أمريكا وعناء القيادة
حذر وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس في كلمته أمام مؤتمر الأمن الدولي الذي انعقد الأسبوع الماضي في مدينة ميونيخ الألمانية من مخاطر انقسام حلف شمال الأطلسي. وقال “يجب ألا نسمح بتقسيم الحلف إلى قسمين؛ أحدهما مستعد للكفاح والآخر غير مستعد” لأن ذلك قد يؤدي إلى انهيار الحلف. وكان محور الحديث بطبيعة الحال أفغانستان، وتردد بعض أعضاء الحلف في الزج بجنودهم في متاهات الصراع الأفغاني الذي لا يبدو أنه على وشك الانتهاء، خاصةً في ظل تنامي قوة طالبان وتزايد حضورها على أجزاء كبيرة من الأراضي الأفغانية. وكان الحديث موجهاً بالمقام الأول إلى المانيا التي تطالبها أمريكا بمساهمة أكبر في عمليات الناتو في أفغانستان. في نفس الوقت الذي طالب الوزير الأمريكي الدول الأوروبية بمساهمة أكبر في الحرب على الإرهاب وقال إن التهديدات من جانب الإسلاميين المتطرفين حقيقة لا تخفى. المشكلة، وفق تصوري، لا تكمن في تقاسم الأعباء بقدر ما هي ناتجة عن عدم القناعة بجدوى التورط في قضايا شائكة كثير من الدول الأوروبية بغنى عنها. عندما تم إنشاء حلف الناتو عام 1949 كان هناك سبب شرعي تؤمن به كافة دول أوروبا الغربية التي للتو نفضت غبار الحرب العالمية الثانية لكنها دخلت في حمى الحرب الباردة. وكان ظهور الحلف ضرورة تحتمها الوضعية الدولية الجديدة. وكانت أمريكا قادرة اقتصادياً وعسكرياً على قيادة الحلف وتحمل كافة النفقات المترتبة على قيادة المعسكر الغربي. أما الآن فالصورة تغيرت كثيراً، ولم تعد الدول الأوروبية تؤمن بشكل قاطع بجدوى الأجندة الأمريكية، واختلاف فرنسا والمانيا مع أمريكا حول غزو العراق أحد الأمثلة الواضحة في هذا الصدد، كما أن أمريكا حاولت تسخير الحلف ليتماشى مع نهجها السياسي الخارجي التوسعي مما جعلها تتصادم مع روسيا التي تعارض تمدد الحلف ليشمل بعض حلفائها السابقين. من ناحية أخرى، قدرة أمريكا على قيادة العالم بدأت تتآكل لأن القائد بحاجة إلى مصداقية أمام الآخرين وهذا ما تفتقده واشنطن في الوقت الحاضر. إضافة إلى ذلك فإن الوضع في أفغانستان يسير من سيئ إلى أسوأ، وسراب النصر الذي تحقق على خلفية هزيمة طالبان لم يتبلور على أرض الواقع من خلال خلق دولة مؤسسات كفيلة بتحقيق التنمية والاستقرار، بل لم تتغير الأمور كثيراً وأصبحت أفغانستان أشبه بالكانتونات السياسية. يبدو أن عبء قيادة العالم بشكل آحادي، الذي تحملته واشنطن خلال العقدين الماضيين، بدأ يلقي بكاهله عليها فأصبحت يوماً بعد يوم تدرك صعوبة المهمة. بينما تحاول قوى أخرى، طامحة إلى تبوؤ مكانة دولية تناسب قدراتها وإمكانياتها، تصحيح الوضعية الدولية القائمة على أحادية القطبية والسير بخطى واثقة لأن تصبح شريكاً فعالاً في إدارة دفة السياسة الدولية، لكن من منظور جماعي بعيداً عن الأجندة الأمريكية. فالصين بدأت تتعاظم قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية بشكل ملحوظ، وروسيا أخذت تسير بخطى أكثر ثباتاً لاستعادة قدر من مجدها السياسي التليد. وهذا يشكل تحدياً كبيراً للقيادة الأمريكية وسوف تجد واشنطن قريباً أنها غير قادرة على الهيمنة على العالم في العصر النووي والتكنولوجي على عكس ما كان عليه الوضع في القرن التاسع عشر عندما سيطرت بريطانيا من خلال قوته البحرية والاقتصادية على العالم.
الإدارة الجماعية للنظام الدولي وتحديث المؤسسات الدولية التي لا تزال تعمل وفقاً لرؤى ومعطيات ما بعد الحرب العالمية الثانية سوف يكونان عنوان العمل السياسي الدولي في الوقت القريب. وسيتوزع الثقل السياسي العالمي إلى عوالم جديدة في شرق آسيا، ومن الممكن وسط أوروبا، إضافة إلى أمريكا. وهذا الواقع الذي في طور التبلور سيكون بداية النهاية لمرحلة الهيمنة الأمريكية التي لم تدم طويلاً، وسيدرك صانع القرار الأمريكي أن المشكلة ليست في تحمل الأعباء بل في ظهور واقع دولي جديد له قوانينه وأنماط التفاعل الخاصة به.
knhabbas@hotmail.com