حرقة الأسئلة
ليومين متصلين أتابع الأخبار الصغيرة باهتمام، وخلف كل خبر ألف سؤال تحرق الجسد النحيل..
* خبر عن فتاة تلقت خاتما بخمسين مليون عند خطبتها، وشيكا بمئة مليون بعد فترة وجيزة مؤخر صداقها، وهي بلا شك تستحق لأن عرقها " كولونيا " ، وسبحان موزع الأرزاق.
* خبر عن تبرع عربي جديد لأبطال الكرة قيمته 2 مليون دولار، لتقارب الهبات وهدايا التشجيع الـ 2 مليون لكل لاعب لم يتعلم القراءة بعد،.وسبحان موزع الأرزاق لا اعتراض على حكمته التي يختبرنا بها ..
* أخبار عن سهرات خسر فيها من خسر ملايين لم يكترث بعدها، ولكنها رزق لآخرين حتى وان كانوا لا يستحقون..
* أخبار عن أبرياء يتساقطون بالمجان، وضحايا لا يجدون من يطلب حمايتهم.
* ثم خبر الفاجعة الكبرى : وفاة الناقد الكبير رجاء النقاش!
رجاء النقاش ليس اسما لشخص ولكنه عنوان لمرحلة من ثقافتنا العربية هو الذي أشعلها، مثل ساحر مد يده في جوفها وأخرج منها اللؤلؤ، شعراء وروائيون نالوا على يديه الشهرة منهم المصري أحمد عبد المعطي حجازي والفلسطيني محمود درويش والسوداني الطيب صالح، ناقد عربي لم يوقف نشاطه على أبناء جلدته من المصريين.
ألم يكن رجاء بهذه الهوية ثروة عربية قومية لكل العرب؟ هذا أول الأسئلة الحارقة..
نجوم الكرة نهضة للرياضة، وإضاءة لواجهات الأوطان ليس في هذا شك، وتشجيعهم واجب وطني ، ولكن السؤال الحارق هل نشجع من «يلعب» قبل أن نحمي من يعمل ويجتهد؟
ونجوم الفن جديرون وجديرات بكل الرعاية والاهتمام حتى وان كانوا لا يتغنون إلا بالحمار وحبهم له، ولكن السؤال خاص بالترتيب: هل الأولوية لمن يحطون من تاريخ الفن أم لمن يرفعون من سمو الفكر؟
رجاء النقاش مرض بالسرطان، أرسل تقاريره إلى كولونا وسأل عن تكلفة علاجه فجاءه الرد 200 ألف يورو لا يملك منها نصف الألف. عرض عليه أحد أصدقائه المقربين أن ينشر له نداء في صيغة خبر فقد يدركه أهل الخير، فرفض بإباء.
نشرت جريدة الرياض خبر مرضه بشكل لا يسيء إلى رغبته ونفسه العفيفة، وسعى أحد مسؤولي المؤسسة الكبار (احتفظ باسمه فقد يغضبه أني عرفت أو أن أذكره) إلى مساعدته بطريقة حضارية، أخذ منه آخر كتبه، وأرسل له مكافأة الكتاب بشكل مبالغ، معظمها من ماله الخاص دون أن يعرف هو أو أحد.
ما تجمع لدى الرجل، من كتابه ومن قرار علاجه لم يكن يكفي إلا لتذاكر السفر والعودة عدة مرات، ولهذا قرر بدلا من أن يبقى مدة العلاج (3 شهور) في كولونا تحت الملاحظة، أن يسافر ويعود كل فترة رغم التحذير من هذا. عاد إلى بلاده وبعد يوم واحد أدركته رحمة الرحمن التي تسع كل شيء.
لو نقصت شبكة العروس فصا صغيراً فكم أديب أو ناقد يمكن أن ترعاه؟ ولو نقصت ملايين كل لاعب نصفها كم طفلا يمكن أن تنتشل؟ ولو نام ثري في بيته ليلة كم تغيث خسارة سهرة تلك الليلة؟
لم يعد هناك ما يمكن أن نفعله للراحل الكبير، وإنما قد نستطيع أن نفعل شيئا للذين يتعففون عن السؤال، مع ذلك ستبقى الحياة عصية لا تخضع لمنطق حكيم، وستبقى رأسي نهبا لحرقة الأسئلة.