أفيـــــــــــاء
سعادة/ تعاسة
هل يمكن أن تنبثق التعاسة من السعادة، أو أن تنبثق السعادة من التعاسة؟ للوهلة الأولى ربما يبدو الأمر سخيفاً مستبعداً، فالتعاسة لا يتوقع أن يتولد عنها سوى تعاسة، كما أن السعادة لا يمكن أن تنتج سوى السعادة، لكنَّا بعد التأمل سنجد أنفسنا نتراجع عن فكرة الاستبعاد، لأن هذا المزيج المتناقض من التعاسة والسعادة، موجود بالفعل في حياتنا نستقي منه بين حين وآخر، ولا يكاد يسلم منه أحد.
نحن في بعض الأحيان، نندفع فنقدم على فعل أشياء تحمل لنا السرور والبهجة دون أن نفكر في عواقبها، فنقبل عليها مستبشرين ونقضي في صحبتها وقتاً ممتعاً يسعدنا ويبهجنا، ولكنها بعد أن تنتهي تبدأ تظهر لنا عواقبها الوخيمة، فيعترينا الندم على ما فعلناه، ونشعر بالسخط نحو ما جنت أيدينا، وقد يزيد بنا سوء الحال فما نلبث إثر ذلك أن نغرق في كهوف مظلمة من التعاسة والشقاء.
وفي أحيان أخرى، قد يحدث العكس كأن نكون نعيش أوضاعاً سعيدة تسرنا وترضينا لكن ظروف الزمان تضطرنا إلى التخلي عنها واختيار أوضاع غيرها بدلاً لها، وقد نجبر بسبب تلك الظروف على اتخاذ قرارات قاسية ومؤلمة تحمل لنا التعاسة والشقاء، لكنا مع ذلك، نمضي فيها ونقدم عليها راضين بكامل إرادتنا، لأننا نرى فيها خيراً حتى إن جلبت لنا التعاسة.
أحياناً، تضطرنا الظروف إلى أن نتخذ موقفاً يضنينا ويتعسنا، فنبادر إلى اتخاذه متقبلين ومحتملين ما يسببه لنا من شقاء وتعاسة مقابل ما يمليه علينا العقل، أو الظن من أنه سيحقق لنا راحة معينة نرجو من ورائها بلوغ الرضا أو السعادة، على أساس أن (من خصائص الدواء أن يكون أشد مرارة من الداء).
حين يفضل الإنسان تحمل السجن أو التعذيب على أن يخون وطنه أو يفشي أسرار قومه، أو حين يفضل بتر عضو من أعضائه مقابل أن ينجو بحياته ويستعيد صحته. هو يفعل ذلك إيماناً منه أن ذلك هو الأفضل، فيهون عليه آنذاك التضحية بالسعادة التي يعيشها في مقابل بلوغ سعادة أبعد وأكبر.
فاكس 4555382 ص.ب 86621 الرياض 11622