د. توفيق السيف
قبل أن تتحول الأزمة إلى معضلة
للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر تحول نزاع حول ملكية أرض في عسير إلى اعتداء مسلح، نحمد الله ان احدا لم يفقد فيه حياته. وشهدت البلاد نزاعات مماثلة خلال السنوات القليلة الماضية. الامر الذي يضيف بعدا جديدا الى مشكلة السكن التي تتفاقم يوما بعد يوم.
طبقا لدراسة اعدتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم، فان 60 بالمائة من السعوديين لا يملكون منازلهم الخاصة، وأن البلاد ستحتاج إلى نحو ثلاثة ملايين منزل جديد في العقدين القادمين. قبل ثمانية أشهر صدر مرسوم بإنشاء الهيئة العامة للإسكان، كي تحمل على عاتقها مسؤولية وضع السياسات العامة للإسكان واقتراح حلول لمشكلة السكن. لا ندري ما الذي فعلته الهيئة خلال الأشهر التي مرت على تأسيسها. لا ندري هل قامت الهيئة فعلا، وهل بدأت العمل، فالواضح أن الضجيج مرتفع حول مشكلة السكن، لكنا لا نسمع صوت الجهة التي يفترض أن لديها الخبر اليقين. وخلاصة القول ان مشكلة السكن تتحول بالتدريج الى معضلة، ينبغي المبادرة الى وضع الحلول الممكنة لها قبل ان تبدأ انعكاساتها السلبية في التأثير على السلام الاجتماعي للبلاد.
الواضح ان الاراضي السكنية تشكل العنصر الأكثر حرجا في معادلة السكن. وأظن ان جوهر مشكلة الأرض يكمن في إحجام البلديات عن إقامة مدن جديدة على الاراضي المملوكة للدولة. في كل مدينة من مدن المملكة تشاهد الأراضي الصحراوية الواسعة التي حصل عليها اصحابها من خلال المنح المجانية او شبه المجانية، تعرض للبيع على شكل قطع صغيرة بأسعار تجاوزت مئات الالاف. وقد كان المفروض أن تبادر البلديات إلى تخطيط هذه الأراضي ومنحها لراغبي البناء او على الاقل بيعها بما يعادل كلفة التمهيد وتجهيز البنية التحتية. نحن اليوم نشتري أراضي بمئات الألوف في مخططات تفتقر الى كل شيء تقريبا، من الطرق المناسبة الى شبكات الصرف الصحي، فضلا عن الخدمات الأخرى كالإنارة والحديقة والمدرسة والمستوصف وما إليه. لا بد أن الغرباء سيصابون بالدهشة اذا علموا بأن السعوديين يشترون الأرض التي سيعيشون عليها بمئات الالوف، بينما تمتد الصحراء الفارغة امامهم الاف الكيلومترات. هل يستطيع الافراد العاديون البناء في الصحراء؟ بالطبع لا، لكن الحكومة تستطيع. تستطيع من خلال إقامة المدن الجديدة والأحياء الجديدة المزودة بالحد المتوسط من الخدمات العامة. اني لأجزم ان كل سعودي مستعد للسكن في مدينة جديدة ربما تبعد عشرين ميلا او اقل او اكثر عن النطاق العمراني الحاضر. لكننا بحاجة الى توفير هذه المدينة واقناع الناس بالانتقال اليها، واعتقد ان الناس سيقتنعون اذا وجدوا فارقا في الكلفة بحجم مئة او مئتي الف ريال، واذا وجدوا بطبيعة الحال الخدمات الضرورية التي من أجلها يتكالبون على السكن في المدن القائمة.
تزداد كلفة السكن كل عام، واذكر مثلا أن سعر الأرض يرتفع بمعدل شبه ثابت يقارب العشرة في المائة سنويا، كما ارتفع سعر الطن الواحد من الحديد بنسبة 50% خلال اقل من عام. ومع هذه الارتفاعات المتوالية تتضاءل آمال الشريحة العظمى من السعوديين في تملك سكنهم الخاص، وأخشى أن يقود فقد الأمل الى اختلال شديد في النظام الاجتماعي. ذلك أن امتلاك السكن يشكل بالنسبة لعامة الناس نوعا من الضمان الحيوي الطويل الأمد. يستطيع الإنسان تحمل البطالة ما دام يملك سقفا يؤويه، ويستطيع تحمل انخفاض الدخل ما دام مستورا بين جدران بيته، أما إذا لم تكن مالكا لبيتك فإن أية مشكلة سوف تغير مجرى حياتك. اذا فقدت عملك او انخفض دخلك او أصبت ـ لا سمح الله ـ بعارض صحي يمنعك من العمل، فان حياتك كلها ستصبح على المحك. من هنا فإن تملك البيت هو عمود خيمة الاستقرار النفسي وانتظام الحياة. هل لدى أحد حل لمشكلة السكن؟ نريد ان نسمع، يريد الناس جميعا بعض الأمل في أن هذه المعضلة سوف تجد حلا اليوم أو بعد عام أو عامين أو خمسة أعوام. هل لدى هيئة الإسكان تصور للمشكلة، هل لدى البلديات رغبة في المشاركة، هل البنوك مستعدة للتمويل، هل نعجل بوضع الإطار القانوني المناسب للتمويل المأمون؟.
talsaif@dms-ksa.com