عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان
قراءة الواقع العربي من خلال التقارير الدولية
هنالك العديد من التقارير الإقليمية والدولية التي تصدر بشكل دوري وتعكس الواقع العربي في العديد من جوانبه، وعلى الأخص الجانب التنموي. ويأتي في مقدمة تلك التقارير، تقارير التنمية الإنسانية العربية، وهي مجموعة تقارير يقوم بوضعها مجموعة من الباحثين العرب باللغتين العربية والإنجليزية بشكل مستقل مع دعم من هيئة الأمم المتحدة.
وقد صدر التقرير الأول عام 2002 وتناول النواقص في البنية المجتمعية العربية التي تعوق بناء التنمية الإنسانية: الحرية، وتمكين المرأة، وبناء القدرات الإنسانية خاصة المعرفة، وذلك بأسلوب غلب عليه التشاؤم حيث بين في مجمله أن العرب متخلفون عن مسيرة العالم بحيث إن الدخل القومي الإجمالي لأسبانيا يفوق الدخل القومي الإجمالي لكل الدول العربية.
وكان من الطبيعي أن تثير هكذا تقارير جدلاً واسعاً في أوساط المثقفين العرب، واعتبرها البعض بأنها لسان الغرب الناقد للعرب لكن باللغة العربية، فيما أخذ عليها البعض الآخر إهمالها لعامل أساس في أسباب التخلف الحاصل، وهو الاستعمار الذي لا يزال موجوداً في المنطقة، إلى جانب أن وجود إسرائيل في المنطقة صرف الدول العربية ـ خاصة المحيطة بإسرائيل ـ إلى تخصيص جانب كبير من ميزانياتها للتسليح بدلاً من صرفها على أوجه التنمية. وربما أن التقارير التي صدرت مؤخراً خففت من لهجتي لجلد الذات وتحلت بقدر أكبر من الموضوعية في نقاشها لقضايا جوهرية مثل قضية عدم المساواة الاجتماعية بين الجنسين كعائق أمام التنمية الإنسانية في العالم العربي، وانتقاد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومناقشة نظم الحكم، وأشكال استغلال السلطة، فضلاً عن الأبعاد القانونية والمؤسساتية والدينية للإصلاح السياسي. بالطبع لا يمكن التقليل من أهمية تلك التقارير ـ رغم ما وجه إليها من انتقادات ـ كونها نجحت في طرح مجموعة مهمة وجديدة من الأفكار حول التحديات الحقيقية التي تعوق التنمية والتقدم في الوطن العربي، مثل نقص المعرفة والحريات وغياب الديمقراطية، واستشراء النزاعات والاضطرابات السياسية، وعدم مشاركة المرأة بفعالية واقتدار، والفساد الإداري والمالي المستشري، وتأخر التعليم وتدني جودته. وتشكل قضية تأخر التعليم في الوطن العربي وتدني جودته قاسماً مشتركاً في هذا النوع من التقارير.
ويعتبر الخبراء أن التعليم عامل مهم لا يمكن التقليل من أهميته في دفع عجلة التنمية المستدامة لأية دولة؛ نظراً لارتباطه الوثيق بالتنمية الاقتصادية. وقد جاء تقرير البنك الدولي الصادر مؤخراً حول تخلف التعليم في العالم العربي متفقاً مع ما أكدته تقارير التنمية الإنسانية العربية بهذا الصدد. وهي قضية في منتهى الخطورة؛ نظراً لأنه يفترض أن الدول العربية قطعت شوطاً طويلاً في المسيرة التعليمية خاصة في مجال الإصلاح والتطوير. ويرى تقرير البنك الدولي الذي يقع في 359 صفحة بعنوان «شوط لم يقطع بعد» ويتناول التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن إصلاح التعليم ينبغي أن يحتل أولوية لتحقيق الانطلاقة الاقتصادية المنشودة وتخفيض البطالة. وبالرغم من حقيقة أن ليس كل ما في التقرير سلبياً، فهناك استثناءات مثل تحقيق إلزامية التعليم في المرحلة الابتدائية، وتضاعف عدد تلاميذ المرحلة المتوسطة ثلاث مرات بين 1970 و2003 وعدد الطلبة الجامعيين أربع مرات، وتساوي الجنسين في التعليم الأساسي، إلا أن هذه النجاحات تبقى بعيدة عن تلك التي حققتها دول أخرى هي على نفس القدر من النمو الاقتصادي. فقد ذكر التقرير أن ثلثي الطلاب في أكثر من نصف بلدان المنطقة يتخرجون في مجالات العلوم الاجتماعية والدراسات الإنسانية، وليس في مجالات العلوم الأساسية والرياضيات، وأن التعليم المتوسط والجامعي في الدول العربية ما زال دون مستوى نظيره في الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية، كما أن معدل الأمية بين العرب ضعف نظيره في هذه الدول.
دراسة هذه التقارير من قبل الأجهزة المختصة في الدول العربية ينطوي على أهمية بالغة، كون تلك التقارير تقدم تشخيصاً دقيقاً لحالة التراجع العربي في المجال التنموي ـ التعليم ونقص المعرفة بشكل خاص، وحيث يتطلب العلاج خططاً متكاملة لإصلاح وتخطيط مستنير لمتطلبات المستقبل.