تأثيرات الأزمة الأمريكية
مازال الاقتصادي يختلط بالسياسي في تفسير مدى عمق الأزمة الاقتصادية الأمريكية واحتمال انزلاق الاقتصاد الأمريكي نحو منحدر التباطؤ وربما الركود طويل المدى ساحباً معه الاقتصاد العالمي نحو المجهول. ففي الوقت الذي يلجأ فيه نظام الاتحاد الفدرالي إلى تحفيز الاقتصاد بتخفيض أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس في أقل من اسبوعين من (4.5 -3%) فاتحاً الباب على مصراعيه لمزيد من التخفيض الذي قد يصل إلى 2%، يقلل الرئيس الأمريكي من حجم المخاوف في تقريره الاقتصادي الذي وقّعه يوم الإثنين الماضي ليرسل للكونجرس للتمهيد لصدور تشريع يفعل مبادرته المالية لتحفيز الاقتصاد بحزمة إعادات وحسومات ضريبية وإعانات مباشرة تصل قيمتها إلى 152 مليار دولار. ورغم اعتراف الرئيس بوجود مصاعب ومخاطر من ضبابية الرؤية الاقتصادية التي تواجه بلاده في المدى القصير إلا أنه يؤكد على سلامة بناء الاقتصاد الأمريكي وقدرته على استعادة مكاسبه في المدى الطويل، ولهذا هو يتوقع في تقريره أن ينمو اقتصاد بلاده هذا العام بمقدار 2.7% وهي نسبة لا يوافقه عليها العديد من الاقتصاديين المستقلين الذين يتوقعون ألا ينمو الاقتصاد الأمريكي هذا العام بأكثر من 1.6 فقط مستدلين بأنه لم ينمُ بأكثر من (0.6%) خلال الربع الأخير من العام الماضي منخفضاً من مستوى (4.9%) الذي حققه في الربع الثالث ساحباً معه معدل نمو الناتج الوطني بالأسعار الثابتة لعام 2007م إلى 2.2% هابطاً من مستوى 2.9 الذي حققه عام 2006م. ويعزز توقعات الاقتصاديين المستقلين المتشائمة لنسب النمو المتوقعة هذا العام تقرير لصندوق النقد الدولي عن حالة الاقتصاد العالمي يتوقع معدّوه ألاّ يتعدى معدل نمو الاقتصاد الأمريكي 1.5% هذا العام 2008م ساحباً معه الاقتصاد العالمي نحو نمو مقداره 4.1% منخفضاً من مستوى الـ 4.9% التي حققها العام الماضي 2007م، ويرى كبير اقتصاديي الصندوق أن التباطؤ المنتظر هذا العام لن ينجو منه أحد حتى الاقتصاديات النامية التي يتوقع أن ينخفض متوسط معدل نموها مجتمعة من 7.8% حققتها عام 2007 إلى 6.9% هذا العام، ولن تنجو من هذا التباطؤ حتى الصين التي يتوقع أن يهبط معدل نموها من 11.4% إلى 10 في المائة هذا العام. ولمزيد من الإيضاح عن كيفية تأثير تباطؤ الاقتصاد الأمريكي على كافة الاقتصاديات العالمية يرى أستاذ الإدارة البيئية في جامعة هارفرد البروفيسور (ريتشارد فيتور) وهو اقتصادي ومستشار عالمي معروف أنه لا بد من النظر في حسابات الدخل الوطني وموازين المدفوعات لتتبع تلك التأثيرات التي تبدأ من الميزان التجاري الأمريكي أحد مكونات ميزان المدفوعات الذي يحمل عجزاً مقداره (811 مليار دولار) بنهاية 2007م مما يعني أن الأمريكيين يقترضون ما يقدّر بـأربعة مليارات دولار من باقي دول العالم مطلع شمس كل يوم. ولذلك هو يرى أن كمّية الدولارات التي تحصل عليها تلك الدول الأجنبية من الكبر بحيث تجبر على إعادة استثمارها في أمريكا إما مباشرة عن طريق الأفراد في حالة عدم وجود رقابة على حركة رؤوس الأموال أو عن طريق البنوك المركزية. وهذا يعني أن تبيع أمريكا في الواقع مزيداً من موجوداتها للأجانب مقابل الحفاظ على مستوى الإنفاق الحالي للمواطنين الأمريكيين، مما قاد بالتالي إلى تراكم الموجودات الأجنبية في أمريكا إلى حد أن ملاكها بدأوا في التفكير جدياً في البحث عن قنوات أخرى للاستثمار خارج منطقة الدولار. وهذا يعني أن أموالاً أجنبية أقل ستضخ في الأسواق الأمريكية يتبعه إنفاق استهلاكي أقل وبالتالي تعزيز للمخاوف من تباطؤ قد يقود إلى ركود كارثي سيؤثر بالتأكيد على كافة الشركاء بمقدار مشاركتهم. ولا يخفف من حدّة هذه النظرة القاتمة لمستقبل الاقتصاد الأمريكي والعالمي سوى توقعات بعض الاقتصاديين المتفائلين بأن الاجراءات العاجلة التي اتخذتها الحكومة الأمريكية وما سيتبعها في القريب العاجل من خطوات ستقود إلى التخفيف من وطأة التباطؤ ليتمكن الاقتصاد من التحرك الإيجابي خلال ستة أشهر من الآن. ومنهم من يتوقع أيضاً أن الاتحاد الفدرالي لن يضطر لتخفيض سعر الفائدة إلى مستوى 1% الذي وصل إليه سنة 2003م، ذلك المستوى الذي لم يجرؤ على الوصول إليه على مدى خمسة واربعين عاماً سوى (ألن جرينسبان) رئيس الاحتياطي الفدرالي في ذلك الوقت الذي سيكون ضيف (منتدى جدّة الاقتصادي) - الذي سيفتتح في الثالث والعشرين من هذا الشهر الميلادي إن شاء الله - وذلك في محاولته الناجحة حينها لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من ركود طويل كادت أن تتسبب به هجمات 11/9 الإرهابية.
ويبقى رأي الاقتصادي العالمي (جورج سورس)، الضيف الآخر لمنتدى جدّة الاقتصادي المنتظر، رأياً متفرّداً وجديراً بالاهتمام حيث يرى أن ما يجري هو في الحقيقة لا يعدو إعادة ترتيب للمراكز الاقتصادية في العالم وانتقال حقيقي للقوة الاقتصادية من الدول المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى الدول النامية وفي مقدمتها الصين.
وبانتظار الضيفين الكبيرين في (جدّة) نأمل أن نستمع منهما إلى مزيد من المؤشرات والتحليلات الإيجابية التي تبعث الأمل في مستقبل مشرق لاقتصاديات العالم وفي مقدمتها اقتصاديات بلادنا العربية العزيزة..
altawati@yahoo.com