ظـــــــــــلال
فقدنا «نقاش» النقد الأدبي !؟
يحصد «الموت»/ مُفرِّق الجماعات: النجوم التي كانت تضيء سماء الأدب والثقافة والفن.. فيطوي حقبة هامة جداً من جيل عظيم ورائد في نشر التنوير، فكأن الوطن العربي اليوم: صار يفتقر إلى غرسات تثمر جيلاً جديداً مبدعاً مثقفاً يواكب عصراً من العلوم الحديثة والتكنولوجيا والانترنت.
وفي كل يوم نفجع بخبر أليم عن موت رائد ونجم، وفجيعتنا الكبرى بعد افتقادي للصديق المسرحي، ناشر الكتاب الناجح/ سمير سرحان، رحمه الله.. كانت فجيعتي الثانية في خطف الموت منا: الناقد الكبير، حامل مشعل النقد الموضوعي، تلميذ أستاذ النقد ومدرسته: محمد مندور/ هذا الكاتب الرصين بأفكاره: رجاء النقاش... وهكذا فقدت «مصر» والوطن العربي: كاتباً من أبرز أشرافها كان متجذراً في تربة الثقافة كجذع شجرة عتيقة.
إن الكتابة في تفكير وإحساس «رجاء النقاش» صوت نفسي، ينطلق من أعماق الإنسان، ليقرر قيمة ويشير إلى خلاص فكري، وإن التعبير الصادر من الإنسان بقلمه.. هو: فلسفة حياة، ومنطق إيمان، ومخاض فكرة!
وتبقى الكتابة: دافعاً حسياً.. وفماً لا تغذيه لقمة خبز!
واستطاع «النقاش» أن يصور ذلك كله في حياته.. ثم أراد أن يؤكده بالطريقة التي ودع بها الحياة!
وذرفت عيناي دموع الشجن والذكريات التي كانت تفيض بمواقف الصداقة الجميلة بيننا... فقد صادقته منذ تعرفت عليه وهو: رئيس مجلة (الدوحة) الثقافية التي انتشرت بين عشاق القراءة والمعرفة، وقال البعض إنها صارت تنافس مجلة (العربي)، وتعمقت صداقتنا فكان يدعوني كلما زرت الدوحة إلى بيته هناك وعائلته في القاهرة، ونمضي شطراً من الليل في حوار عن الجديد في الكتب، واستمتع برؤيته النقدية وعمق ثقافته، وكنا نتواصل بالهاتف.. ودعاني للكتابة لمجلة (الدوحة).. وفرحت كثيراً أنه شرَّفني بكتابة مقدمة لروايتي: (جزء من حلم)، فكان نقده عزفاً، وكلماته أبعاد الرواية: أضافت إليها عمقاً!!
لقد صفَّى «رجاء النقاش» نفسه من شوائب الحياة واستطلع تأملاته.
أما كتبه النقدية والتسجيلية لحياة رواد مصر، فقد كان يلتقط فيها الصور الحقيقية، ويظهرها على الورق كأنه يحمِّض فيلماً... وتنطبق عليه عبارة «فورد ماركس»:
- إن الكلمات عند الكاتب المبدع: تبدو وكأنها حصوات التقطها للتو من قاع غدير، صاف رقراق.
يرحم الله الحبيب الأصيل في سلوكياته، الصادق في إنسانيته، الصديق الذي ترك لنا ثروة من الثقافة!!
آخر الكلام :
للشاعر المغربي / علي العلوي :
- ألم يكن الرحيل إليك
بُعداً عنك يومئذ ؟!
ألم يكن البكاء عليك
وعداً منك يومئذ ؟!
لو فقط تتذكريني عند نبح الريح
أيتها الحواشي الجارحة !!