يا شباب
بالرغم من كل النواقص والخطايا المنتشرة في مجتمعنا السعودي، مثله مثل معظم المجتمعات الاخرى، إلا أننا والحمد لله لا نعاني من انتشار التفرقة العنصرية أو أي نوع من التعصب او التحامل بين الأجناس والألوان.
ولكن هناك لدينا نوع آخر من التفرقة والتحامل، ليس في ما يختص باللون، أو الجنسية أو الديانة، إنما تجاه أبنائنا من الشباب السعودي، أي تفرقة في وسطنا بين الاعمار. فالشباب بيننا متهم حتى تثبت براءته.
هناك بالطبع فئة من الشباب، وهم في رأيي قلة، لا يراعون في تصرفاتهم الكثير من الآداب العامة خاصة أثناء قيادتهم لسياراتهم، ولا يحترمون حقوق الآخرين، ولا يتورعون من إيقاع الأذى بالآخرين سواء باللفظ أم باليد. هؤلاء لا يجب أخذهم في الحسبان، إذ إنهم لا يمثلون في الواقع إلاّ نسبة ضئيلة بين الشباب السعودي.
أما النسبة الأعظم من شبابنا فهى تدل على شباب متحمس غيور على بلاده، مهذب في تصرفاته ولبسه، متعلم في مختلف المجالات ومتفوق الذهن، يستطيع التعايش مع مختلف أصناف البشر بحكم سفره ومخالطته لمختلف المجتمعات والثقافات الأخرى. وبالرغم من ذلك فنحن ـ أقصد المجتمع المحلي الواسع ـ نضعهم جميعا في قفص الاتهام، وكأنهم نوع من الوحوش الضارية التى يجب كبح جماحها. وإذا حدث وأخطأ واحد منهم، نسرع بوضع قرارات صارمة وحادة تطبق عليهم جميعاً، من منطلق “الباب اللي يجيلك منه الريح، سده واستريح”. وقد يغيب عن أذهاننا أن هؤلاء الشباب الذين نحذرهم ونتخوف منهم ما هم في الواقع إلى نتاج منازلنا ومدارسنا، ومحصلة تربيتنا وتعليمنا. نحن ـ المجتمع والآباء ـ جعلناهم هكذا، فإن كان هناك إعوجاج فيهم فقد بدأ منا، وإن كان هناك عيب فنحن الذين خلقناه. هؤلاء الشباب هم ورثة هذا الوطن بكل عيوبه إن كانت هناك عيوب تركناها لهم، وبكل حسناته إن كانت هناك حسنات حققناها. حقائق الأمور أن الغالبية العظمى من شبابنا يعرفون حدود اللياقة والأدب، ويحترمون الآخرين، ويحبون أهلهم ووطنهم، ومستعدون للتضحية والذهاب إلى أقاصي الدنيا لكسب العلم والمعرفة وتمثيل بلادهم في أحسن صورة. فشباب اليوم هم آباء الغد وأرباب العائلات وحاملو راية الوطن في المستقبل.
أشعر بفرحة كبيرة وسعادة غامرة عندما أرى شبابنا في المقاهي وهم منهمكون في العمل على الحاسب الآلي (الكمبيوتر) الخاص بهم أثناء تناولهم بعض المرطبات. أراقبهم بغبطة كبيرة، وأشعر بأن بلادي إن شاء الله بخير.
شعرت بالفخر أيضاً عندما كنت أتناول القهوة مساء يوم مع ابني خارج مقهى صغير على كورنيش جدة، فجاء خمسة من الشباب وجلسوا بيننا وأخرج بعضهم علب السجائر. التفت إليهم وقلت لهم مداعباً وبطريقة أبوية أنني أعاني من حساسية ضد التدخين ففوجئت بأنهم قدموا اعتذارهم بكل أدب ومودة وانتقلوا إلى طاولة بعيدة عن طاولتي. نظرت إلى ابني قائلاً هذه نماذج من شبابنا المهذب قد لا تجدها في كثير من المجتمعات الأخرى. الذي لا أستطيع أن أفهمه هو ذلك الحصار الذي نضعه حول شبابنا، رجال الغد. لا أستطيع أن أفهم أن يمنع هذا الشباب من دخول الأسواق والأماكن العامة في المناسبات والأعياد بمفردهم إلا إذا كانوا برفقة امرأة !! ولا أستطيع أن أصدق أن يبحث الشباب عن مطعم واحد يقبل بدخولهم لتناول العشاء أو الغداء خلال عيدي الفطر أو الأضحى، فيمنعون من ذلك إلا إذا كان معهم امرأة (محرم)، أي أن يبحث الشاب عن امرأة تصحبه لكي يسمح له بدخول المطعم، حتى لو كانت خادمة المنزل!! وقد أصبحت هذه بالفعل مهنة لبعض النساء اللواتي يقفن أمام بعض المحلات في جدة لكي يصحبن الشباب إلى داخل المطاعم أو الأماكن العامة مقابل مبلغ من المال، يعدن بعدها للوقوف مرة أخرى خارج هذه الأماكن في انتظار شاب آخر يحتاج إلى «محرم»للدخول!
لا أدري إلى متى ستستمر ظاهرة التفرقة والتعصب ضد شبابنا داخل بلدهم، وهو ما لا نراه في أي بلد آخر. ولا أدري من هو المسؤول الذي يمكن أن يقدم الحل المناسب، وإن كان العشم في الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وهي الحاضن الرئيسي لشباب البلد بكل فئاته.
وإذا لم نوفر لشبابنا المرافق الجيدة، ومراكز النشاط في الأحياء السكنية، والمكتبات النظيفة وإمكانيات الترفيه البريء التي تفيدهم وتمتص وقت فراغهم، فلا يجب أن نلومهم إذاً عندما يتسكعون أو يفحطون أو يسافرون للسياحة الخارجية كلما استطاعوا ذلك. هذه طاقة شبابية جبارة ونحن نغمض أعيننا عنها ونزعم أن الكثير من شبابنا لايعرف سوى الشيشة والبلوت والتسكع في الطرقات والمراكز التجارية، ولكننا لا نفعل شيئا لكي نوفر لهم البدائل.