تجربة رومانية
الارهــاب في العراق لا يحكمـــه منطق، ولا يمــكن الغاء فكرة الاستفادة منه في تصفية الحسابات بين الدول او في اغراض ومصالح اخرى، والا كيف يمكن تبرير الاستعانة بامرأة مختلة عقلياً لتفجير نفسها، والقاعدة المعروفة ان الارهابي يفجـــر نفســــه لاسباب دينية او وطنية او ربما نفسية، والكلام في هذه المسألة ليس مجانياً، وساؤكده بالدليل، فقد وقعت يداي على مواد مترجمة الى الانجليزية، نشرتها جريدتا "ايفيمنتول زيلي" و "جورنال ناشيونال" وكلتاهما تصـدران في رومانيا، والمـواد تناقش قضية اختطاف ثلاثة صحفيين رومانيين في بغداد، يوم 28 مارس 2005، وهم مصور تلفزيـــوني ومراسلـــة يعملان في محطة "بريما" وصحفي في جــــريدة "ليبرا" اليومية، ومعهم مرشد عراقي/ امريكي، اسمه محمد مناف.
المختطفون طلبوا مقابل اطلاق الرهائن، مبلغ اربعة ملايين دولار، بواسطة شخص خامس اسمه عمر هيثم، وهو رجل اعمال سوري يقيم في رومانيا، وبعدها قدمت محطة "الجزيرة" الفضائية، مقاطع فيديو تظهر الصحفيين الثلاثة مع مرشـــدهم العراقي او الامريــكي، والشريط فتح باب التخمينات في الاعلام الروماني، لأن محتواه لم يكن طبيعياً، على سبيل المثال، مكان التصوير لايعكس انه مجهز لعملية اختطاف، و المشاهد مخرجة بدقة واحترافية، والأمر الثالث والمهم ان الارهابيين لم يتكلموا عن المبلغ المذكور.
الحكومة الرومانية شكلت فريقاً للتعامل مع القضية ومفاوضة الخاطفين، ترأسه ترايان باسيسكو الرئيس الرومـــاني، و في 5 ابريل 2005 طلب المفاوض باسم المجموعة الخاطفة، انسحاب القوات الرومانية من العراق- عددهم لا يتجاوز 800 عسكري- ، وفي نفس يوم الطلب اوقف رجل الاعمال السوري، بتهمة قيامه باعمال غير قانونية، واحتمال وجود علاقة له مع الارهابيين، وكشف الاعلام الروماني طبيعة الاعمال المريبة بين والد المراسلة المخطوفة ماري جان وين، وهو سناتور روماني صاحب حصانة، اسمه فاسيلي يون، وبين السوري عمر هيثم، ومن ثم وفي 22 ابريل سرب المختطفون شريطاً آخر، يهدد بقتل المحتجزين مالم تدفع الحكومة الرومــانية مبلغ ثلاثين مليـون دولار، وتسحب فواتها من العراق، وحددت يوم 26 ابريل كموعد نهائي، وعرفت المجموعة نفسها بـ"كتيبة معاذ بن جبل"، ولكن الحكومة الرومانية رفضت الدفع او سحب القوات.
الفريق الروماني اقنع هيئة علماء المسلمين في العراق، باستثمار نفوذها الاجتماعي والسياسي، والتفاوض مع "كتيبة معاذ بن جبل"، ولم تنجح المحاولة الاسلامية، حتى في تحريك الجانب الديني، واخلاء سبيل الصحفية الرومانية باعتبارها انثى، وانتهت الحكاية بعودة الصحفيين الى رومانيا في 22 مايو 2005، بعد ان تدخلت القوات الرومانية الخاصة وحررتهم.
في 2 يونيو عقد الصحفيون الثلاثة مؤتمراً صحفياً حول ظروف اختطافهم، وطبقاً لـ"جورنال ناشيونال" فانهم لم يقدموا اية معلومات مفيدة، وضاعفوا الشكوك في موضوع الاختطاف وانه مدبر، وافترض الاعلام الروماني علـــم المراسلة التلفــزيونية مـاري يون، عن طريق والــدها وعلاقته الشخصية والخاصة برجل الاعمال السوري، وتكلم عن علاقة عاطفية سابقة بين ماري وهيثم.
جريدة "جورنال ناشيونال" طرحت اسئلة مربكة ايضاً عن دور الرهينة الرابعة محمد مناف، وحصول الصحفيين على الفيزا العراقية في وقت قياسي، وهوية وجذور كتيبة معاذ بن جبل، وعدم تعرض الصحفيين للضرب اثناء فترة الاحتجاز، وانتهت القضية بعقد الرئيس الروماني ترايان باسيسكو، مؤتمراً صحفيا قال فيه ان التحقيقات ستكون سرية، ولن يفرج عن محتواها الا في حدود مدة قد تصل الى خمسين سنة، وأوضح ان عمر هيثم خطط للاختطاف، في محاولة للتعتيم على تهم بالفساد مسجلة ضده، وكذلك تهريب اربعة ملايين دولار خارج رومانيا، وان الرهينة الرابعة محمد مناف يقيم في رومانيا، وهو من اشرف على ترتيب الاختطاف، واكد عدم وجود ادلة تثبت تورط الصحفيين او غيرهم. اي ان التهمة بالكامل عربية، ولا علاقة للرومان بها على الاقل حالياً، وطبعاً التعريف الرسمي له اولوية.
كتب روبرت انتمان (1993) بأن التأطير الاعلامي يستخدم للتأثير في فهم الناس ومشاعرهم، واعتبره ممارسة انتقائية تهتم بنقل اجزاء من الواقع وتهمل غيرها، حتى تستطيع الوصول الى تعريف محدد لأية مشكلة، او تفسير اسبابهـــا، اوقيمتها الاخلاقية، او اقتـراح الحلول والتوصيات المناسبة لها، وانه عملية تحركها اربعة امور: الناقل والنص والمستقبل وثقافة المجتمع.
إذن فالتجارب القديمة والافكار النمطية مفيدة في التأطير ولا ازيد..!
binsaudb@ yahoo.com