حمود البدر
رضى الناس غاية لا تُدرك
صدر في الأسبوع قبل الماضي قرار مجلس الوزراء الذي اقترح سبعة عشر عنصراً من العناصر المؤثرة على مستوى الأسعار، وقد دار حولها جدل واسع في المجالس والمنتديات والتجمعات ما بين مؤيد ومعارض. إلا أن نسبة المؤيدين من موظفي الحكومة بخاصة قليل جداً إذا ما قيس بنظرائهم من العاملين في القطاع الخاص.
فإذا كانت الحكومة لديها الحرية في أن تزيد مرتبات موظفيها فإن نظام الاقتصاد الحر الذي يقوم على نظرية العرض والطلب، يجعل تدخل الحكومة في زيادة رواتب موظفي القطاع الخاص غير ممكن، لأن ذلك يعرّض المؤسسات الأهلية لتعميم قد يضر ببعضها وقد يفيد البعض الآخر. ومن ثم فإن النظرية تترك للقائمين على تلك المؤسسات تقرير ما يرونه مفيداً لمنسوبيها وفي الوقت نفسه لا يضر بسير المؤسسة.
وبما انني غير متخصص في الاقتصاد فإنني سوف أقول رأيي كما أتصور القرار ومدى تأثيره إذا ما طُبق بشكل تكاتفي بعيداً عن البيروقراطية التي قد تعيق تحقيق الهدف الذي أصدر القرار من أجل تحقيقه. فالقرار تضمن زيادة محدودة في رواتب موظفي الدولة تصل إلى 15% على مدى ثلاث سنوات، وهي نسبة ضئيلة إذا ما أخذت مجردة عما يسندها من عناصر القرار الأخرى. فالسلع الأساسية التي يحتاجها الكثير من السكان من موظفي الحكومة وغيرهم قد جرى دعمها للتخفيف من ارتفاع اسعارها، لأن الزيادة وحدها لا تفيد إلا الذين فازوا بها (موظفو الحكومة). كما جرى التأكيد على مقاومة الاحتكار الذي يؤدي إلى التحكم وعدم وجود منافسة تخدم المورد والمستهلك على حد سواء، وتكسر شوكة التحكم في السلعة.
كذلك جرى التأكيد على تفعيل الرقابة على الأسعار وتفعيل حماية المستهلك بما في ذلك وضع الأسعار على السلعة بشكل واضح مما يجعل المشتري على بينة من أمره إذا رأى انحرافاً في السعر ومبالغة فيه فذلك يدفعه إلى الشكوى لولي الأمر أو العدول عن تلك السلعة إلى غيرها من نظيراتها.
كذلك عزز القرار الأمر بالإسراع في بناء المساكن الشعبية في المدن والقرى، وذلك وجه آخر من تحقيق الاستقرار النفسي والجسمي للأسر، حيث اعتمد عشرة مليارات لهذا البند، وكثيرون هم الذين لا يملكون بيوتاً ولا تفيدهم الزيادة وحدها.
كذلك ركز القرار على أهمية الإعلام وذلك من خلال تفعيل حملات إعلامية لتوعية المواطنين على مواطن الضعف والانحراف في الأسعار أو في الغش التجاري وإبراز الجوانب الإيجابية من حيث الأسلوب الأمثل للاستهلاك وما هي البضائع التي تناسب كل فرد من حيث جودتها ومناسبة أسعارها. ومن عناصر ذلك القرار تخفيض الرسوم على البضائع إلى نسبة 50% مما كانت عليه من قبل، وذلك المبلغ يعد إضافة إلى تخفيض قيمة السلعة بنسبة تعادل الرسم المخفض على تلك السلعة، كما رفعت الرسوم عن بعض السلع والخدمات. وإذا ما أخذنا بقية العناصر التي من بينها إلزام كل من وزارة التجارة والصناعة ووزارة التخطيط والاقتصاد ووزارة المالية وغيرها من المصالح الحكومية ذات العلاقة في المتابعة من خلال إجراء مسوحات ميدانية دورية ونشرها على الملأ، فإن ذلك سوف يكون (إذا تم بشكل متكامل) عائقاً لذوي النفوس الضعيفة من رفع الأسعار بدون مبرر.
لهذا فإذا طبقت عناصر القرار الذي صدر في الأسبوع الماضي وتوبعت فإن ذلك يفوق بكثير لو أن الحكومة قامت برفع مرتبات موظفيها بنسبة أعلى مما تم، لأن تلك الزيادة سوف يتبعها فوراً ارتفاع في الأسعار كما رأيناه عندما تمت زيادة رواتب الموظفين منذ 3 سنوات بنسبة 15%، إذ سارع الكثير من التجار والصناع (إن لم يكن كلهم) إلى رفع أسعار بضائعهم بشكل غير منطقي ولا مبرر، إلا لامتصاص هذه الزيادة من موظفي الدولة، في حين أن الزيادة في الأسعار لم تضر بمن زيدت رواتبهم فقط وإنما طالت جميع المستهلكين صغيرهم والكبير وغنيهم والفقير.
ولذلك فإن النزوع إلى زيادة الرواتب مجردة من عوامل أخرى تساعد على ضبط الأسعار سيكون وبالاً على المدى الطويل، إذا لم تعالج المؤثرات الأخرى التي قد تساعد على الجشع الذي يؤدي إلى زيادة دخل التاجر وانخفاض الدخل الفردي بسبب امتصاص ذلك الدخل من قبل الجشعين.
إنني أتمنى على الإخوة الذين نشطوا في التعليقات والنكات بأن ينصفوا أنفسهم وأن ينصفوا صاحب القرار، وذلك من خلال إعطاء قدر كافٍ من الوقت لتأثير ذلك القرار على الحركة التجارية، وعندئذ تكون تعليقاتهم لها ما يبررها.
وعلى كل حال فإن رضى الناس (كلهم) غاية لا تُدرك في كل الأزمان وكل الأمكنة، عفا الله عنّا جميعاً، وهدانا إلى سواء السبيل.
hamoud@albadr.com