في ضوء القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء «2-2»
جاء في تقرير اقتصادي دولي أعده معهد “التمويل الدولي”التابع للبنك الدولي، حدوث “طفرة كبرى “في نمو اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، ومن ضمنها السعودية، حيث من المتوقع أن تحقق المملكة نسبة نمو تقدر بـ 7.1% خلال العام الجاري 2008، مقابل 4.5% عام 2007. كما تضمن التقرير أن معدلات التضخم سترتفع إلى مستويات أعلى خلال نفس السنة، نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي من جهة، والتضخم المستورد، و بسبب ارتباط عملتها بالدولار، وإضطرارها إلى خفض أسعار الفائدة تمشيا مع قرار المصرف الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الذي قام خلال أسبوع بخفض الفائدة لمرتين متتاليتين وإلى مستوى 3% من جهة أخرى. وفي هذا الإطار قال ماريوس ماراسيفتس المدير الإقليمي للأبحاث في الشرق الأوسط لدى ستاندرد تشارترد “نرى أن الشرق الأوسط يستورد سياسة مالية يطبقها المصرف الاحتياطي الفيدرالي بما يتناسب مع حاجات الولايات المتحدة “مضيفاً” لسوء الحظ ما يناسب الولايات المتحدة لا يناسب اقتصاد الخليج وما يقلقني ليس المستويات الحالية للتضخم بل المستويات المستقبلية المنتظر تسجيلها “وقد توقع تقرير أعدته مؤسسة ميريل لنش أن يتآكل فائض ميزان المدفوعات لدى الدول الخليجية ومن ضمنها المملكة بأكثر من 75 مليار دولار العام الجاري، مقارنة بـ 65 مليار دولار في العام الفائت، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض نسبة النمو المتوقعة، لكن في الوقت نفسه قدر التقرير أن المبلغ الفائض المسجل في ميزانيات دول المنطقة زهاء 40 دولاراً عن كل برميل نفط، وهو ما سيعوض إلى حد كبير النقص في ميزان المدفوعات. ووفقا للاحصائيات الرسمية فان التضخم في المملكة وصل إلى أرقام قياسية (4.8%) هي الأكبر على مدى الـ12 عاما الماضية، كما جاء في بعض الدراسات الميدانية أن التضخم قد تجاوز 60% بالنسبة لسلع أساسية مثل الرز والحليب ومشتقاته، و30% للسلع الغذائية الأخرى، وبالطبع لا يمكن تجاهل التأثير السلبي لاستمرار ربط الريال بالدولار الضعيف والمتراجع، الذي فقد جزءاً كبيراً من قيمته (35%) خلال السنوات الخمس الماضية أمام العملات الرئيسية الأخرى. وهو ما انعكس في زيادة تكلفة الواردات السعودية من الدول خارج منطقة الدولار، علما بأن القيمة الفعلية للريال تزيد 30% من قيمته الأسمية. وهناك عامل وسبب رئيسي آخر للتضخم هو الارتفاع الكبير في الإيجارات التي تستنزف 30% من دخل المواطن (60 % من المواطنين يفتقدون لمسكنهم الخاص) التي شهدت ارتفاعا من 3.1% في ديسمبر 2006 إلى 12.5 % في ديسمبر 2007. وبالطبع لا يمكن تجاهل استمرار النزعة الاحتكارية (عبر الوكالات الحصرية) من قبل بعض كبار التجار المستوردين للسلع الغذائية والاستهلاكية الأساسية، و بالتالي تحكمهم وتحايلهم وتلاعبهم بالأسعار. كما نتوقف إزاء ماحل بسوق الأسهم السعودي من انهيارات وتذبذبات وتراجعات حادة منذ مطلع فبراير 2006، وتكررت في يناير 2008 من هذا العام، وتحديد دور كبار المضاربين ومافيا المال وخصوصا الأجانب فيها، الذين سارعوا إلى تسييل محافظهم لدى بروز مؤشرات التراجع، ما أدى إلى تآكل وضياع مدخرات مئات الآلاف من صغار ومتوسطي المساهمين. ناهيك عن مشكلة ارتفاع نسبة البطالة في المملكة التي تقدر بـ 14% وفقا لما نشرته جريدة عكاظ مؤخرا، استنادا إلى تقرير صادر من قبل مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، وجاء في نفس الخبر أن وزارة العمل كشفت في دراسة لمعرفة مستوى البطالة في المملكة، وجود 37% من العاطلين عن العمل من حملة شهادة الثانوية العامة، فيما بلغت بين أوساط الجامعيين 36%، ونزلت النسبة بين المتعلمين للمرحلة المتوسطة إلى 26 %، إضافة إلى وجود 15% من المتزوجين عاطلين عن العمل. وقد أوضح وزير العمل د. غازي القصيبي في رده إزاء الشكاوى من ضعف إجراءات السعودة، بأن هناك عراقيل جدية متنوعة تمنع تحقيق هذا الهدف، مشيرا إلى وجود 148 ألف سيدة يبحثن عن عمل، و يستحضرني هنا، تصريح نائب وزير العمل د عبد الواحد الحميد، عن صرف مليون وسبعمائة ألف “فيزة” استقدام للعمالة الأجنبية في العام الفائت فقط، مما رفع عدد العمالة الأجنبية في البلاد إلى ستة ملايين يشكلون 33% من السكان، و37 % من إجمالي العمالة، غير أن نسبتهم في القطاع الخاص والمنشآت الكبرى تصل إلى 87%، فيما لا يتجاوز نسبة السعوديين 13%. هذه المشكلات الجدية يتعين التصدي لها من خلال أجندة واستراتيجية وطنية شاملة، تتجاوز الزيادة في الأجور، مع أهميتها الحيوية بالنسبة للغالبية الساحقة من المواطنين الذين يعانون تكاليف المعيشة والحياة المتصاعدة، وهي في مضمونها تعكس حرص القيادة السياسية وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على تخفيف العبء عن كاهل المواطنين، لكن من الأهمية بمكان رصد ووضع الحلول لمعاجلة المشاكل الجدية المتعلقة بارتفاع التضخم والأسعار والبطالة والفقر في بلادنا، التي يشهد اقتصادها”فورة مالية “كبرى قد لا تتكرر، و تتعين الاستفادة القصوى منها لصالح حاضر ومستقبل الوطن والمواطنين.