الحوار من طرف واحد
هل بات من الضروري والحتمي أن نفتح أفقا واسعا للحوار مع الآخر؟ وأبادر على الفور بمصادرة إجابات جاهزة مؤداها جميعا : نحن بالفعل نفتح أفقا واسعا للحوار مع الآخر بدليل تلك الأجهزة الحكومية من مثل إدارة التبادل الثقافي أو العلاقات الثقافية الدولية، والملحقيات الثقافية المنتشرة في كل بلاد الدنيا، وكلها محاولات جيدة ومخلصة وإنما أنا لا أعني أيا من هذه الأدوات، وانما أضع عيني مباشرة على أطراف الحوار ( نحن والآخر ) وليس يهم أين يكون.
بالنسبة لـ«نحن» في عصور سابقة، فإننا أصحاب حضارة عربية وإسلامية عظيمة وعريقة، عرفها الآخر آنذاك فحاول مد الجسور بكل أشكالها بينه وبين تلك الحضارة، كنا الطرف الأقوى في الحوار، وكان الآخر يجتهد بكل الأشكال ليكون أهلا بما يأخذ، وندا في الحوار.. عرف الغرب آنذاك الفارابي وابن رشد وابن سينا وتأمل أطروحاتهم الفلسفية ثم راح يؤسس عليها، ودرس البلاغة العربية والنقد العربي من الجرجاني وأبي هلال العسكري وابن المعتز وقدامة ابن جعفر، وتأمل علوم الطب والفلك والجغرافيا وعلم الاجتماع، وأخرج لنفسه علماءه وفلاسفته ونقاده ومؤرخيه القادرين على وصل الحوار ومد أطرافه إلى آفاق جديدة، تلاقح للثقافات قد أستطيع أن أزعم أن دراسة الغرب للبلاغة العربية هو ما أوصلهم إلى «الألسنية» على نحو ما قدمها لنا سوسيير وبارت وغيرهما، بل – ولأسف شديد – أهم الدارسات التي تناولت الأدب العربي هي من جهود بعض المستشرقين، وقد يعلق في الذاكرة منهم بروكلمان وكراتشكوفسكي وسلسلة طويلة من الأسماء. الغريب أننا ونحن في موقع القوة نصدر حضارتنا للآخرين لم نكن نستسلم لعزة النفس التي تأبى أن تترك نافذة مشرعة لتيار يأتي من الخارج، بل على عكس من ذلك استقبلنا بلا أدنى حساسية الثقافات كاليونانية والفارسية والهندية، وصهرناها في بوتقة الثقافة العربية قبل أن نعيد تصديرها للغرب. وبالنسبة لـ«نحن» الآنية المدعوة إلى حوار مع الآخر لم يعد يجديها نفعا تاريخ عريق بعد أن دخلنا عصرا آخر عرف منجزات التكنولوجيا وأبحاث الفضاء ومعطيات أدوات الاتصال بدءا من الحاسب الشخصي والنت وانتهاءً بالأقمار الصناعية، جنبا إلى جنب مع اتجاهات الإبداع الأدبي ومدارس النقد وتيارات الفن، وهو واقع حولنا دون أن نشعر إلى مستهلكين لأدوات الحضارة وليس مبدعين لشيء منها، حتى على صعيد الفن والأدب والنقد، مدارس الفن – التشكيلي مثلا – كلها بلا استثناء واحد وافدة من الغرب، ونظريات النقد، واتجاهات القصة والرواية، واكتفينا نحن بترديد مقولات ثابتة تم تصنيعها في معامل وعي الآخرين، في أحسن الأحوال، وبقي التميز في مجال من المجالات كالطب مثلا ظاهرة فردية لا تشكل سياقا عاما.
كيف يمكن أن نقيم حوارا مع الآخر في ظرف كهذا لن نجد فيه وسيلة إلا «ثقافة المنع والرفض» بمعنى أن نطالبهم بالكف عن إنتاج نرى أنه قد يسيء إلينا، فلا نتركهم يخرجونه ولا نقوم نحن بإخراج البديل، وكمثال عشرات الأفلام السينمائية التي حظرناها لأنها لا تجاري أمزجتنا ثم لم نقدم فيلما واحدا بديلا. بطبيعة الحال لست أطالب برفع الحظر عما قد يسيء إلينا، وانما أطالب بدرجة أرقى من الوعي نعرف في ظلها أن هؤلاء الآخرين الذين نرغب في حوارهم لا يضعوننا في أذهانهم فينتجون شيئا محددا لإغاظتنا، ولكنهم فقط ينتجون في ظل سياق حضاري مخالف، وبوفرة جعلت كل ما نراه من إنتاجهم، وتركوا لنا أن نختار إذا شئنا بلا غضب، فبأي الإمكانيات نستطيع أن نشتبك في حوار مع الآخرين؟ إلا إذا كنا نريده حوارا من طرف واحد!!