مأساة جدة !
ما هذا الذي يحدث في جدة؟ ما هذه الفوضى العمرانية التي نراها تتضخم وتتمدد كل يوم؟ إلى متى يجب على ساكن جدة أن يبقى صامتاً؟ إلى متى تستمر أمانة جدة في موقفها غير المبالي، وقد تحولت أذناها إلى واحدة من طين وأخرى من عجين؟ إلى أي مدى ستذهب البلديات في غضِّ النظر عن مشاكل أحياء جدة، وفي إهمال انتقادات وآراء المواطنين والكتاب الكبار من أمثال الأساتذة عبدالله خياط وعبده خال وعبدالله الجفري وعبدالله دحلان والسيدة الفاضلة حصة العون وغيرهم، وكأن الأمانة تمتلك جدة، وما هؤلاء إلا مجموعة من المشاغبين، ولا رأي لأحد سوى رأي البلدية، ولا يحق لأحد أن ينكش أخطاء البلدية أو ينتقدها فهي فوق مستوى النقد!! يبدو أنه لا وقت لمسؤولي الأمانة للقراءة والاطلاع والرد على الانتقادات، فقد يكونون مشغولين في افتتاح المعارض والمطاعم والمقاهي وحضور الاحتفالات والولائم. عمائر تجارية وسكنية شاهقة بُنيت في وسط أحياء سكنية من المنازل العائلية الصغيرة، أو ملاصقة لها، فكشفتها وجرحت خصوصيتها، انتشرت العمائر الطويلة المرتفعة في مدينة جدة مثل الفطر الشيطاني، من دون دراسة واضحة عن الكثافة السكنية، وحركة السيارات، وعمليات الإخلاء في حالة الطوارئ، ومدى الضغط على الخدمات وإمدادات المياه والمجاري، ودون عمل دراسة نطاقية من الناحية الجيوهندسية لهذه العمائر الشاهقة على حافة الشاطئ مما قد يتسبب مستقبلاً في كارثة لا قدر الله. انتشرت الحفر والتكسيرات في طرقات جدة دون استثناء ولأعذار مختلفة غير مقبولة، وزاد التلوث البيئي (تلوث البحر والأرض والهواء) والسمعي والبصري، وزادت الأمراض الدورية نتيجة هذا التلوث. تعددت حرائق مردم النفايات فانتشرت فوق كل جدة السحب الملوثة والأدخنة العفنة التي تتسبب في الأمراض الصدرية والسرطانية والعياذ بالله، وزادت عصبية السكان وتزاحمهم بصورة ملموسة، وغير ذلك من أمور كثيرة، والبلدية العزيزة لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
استقطعنا نسبة هائلة من المساحة العمرانية الداخلية لمدينة جدة لنقيم عليها «أكبر» القهاوي وملاهي الأطفال، وعددا ضخما من أكبر المراكز التجارية التي تحتاج إلى أكبر مساحة من مواقف السيارات وخطوط الحركة، وكل هذا على حساب التخطيط الجيد والمساحات العامة والحدائق والمساحات الخضراء التي هي في العادة رئة التنفس لأية مدينة، كان من الأفضل والأجدى تحديد مساحات مناسبة على حدود المدينة لمثل تلك النشاطات، وترك وسط المدينة للسكن الآمن والمريح، ولنشاطات الإنسان اليومية مثل التعبد والتعلم والعمل والحدائق العامة والفراغات والأماكن الحضرية والاجتماعية، إلى آخره.
ماذا فعلت أمانات جدة المتعاقبة بعناصرها الطبيعية من صنع الخالق عز وجل؟
الجبال في شرق المدينة أُهملت أولاً، ثم حولنا جزءا منها إلى كسارات، والجزء الآخر إلى بحيرة عفنة تهدد صحة أهل جدة، وجزءا ثالثا إلى مرادم تجميع النفايات.
أما البحر في غرب جدة فقد رُدم الجزء الأكبر، وأحيط في معظمه بأسوار، كما تم تسوير جزء كبير آخر للاستثمار من قبل بعض المستثمرين الأثرياء، وجاء كل هذا على حساب الحياة البحرية الرائعة التي كانت تتمتع بها شواطئ جدة فقُضي على جزء كبير منها، كما جاء على حساب نظافة ومظهر البيئة، وأخيراً على حساب سكان جدة الذين عليهم أن يبحثوا عن موطئ قدم لنزهتهم على شاطئ البحر الذي اغتصب.
وفي الأرض حدث ولا حرج، تلوث شامل مخيف من جراء إهمال خطوط الصرف الصحي، ومياه الأمطار، وانتشار البيارات المنفردة للمنشآت السكنية والتجارية، وإهمال معالجة مناطق المياه الراكدة على مساحات هائلة على أطراف المدينة جنوباً وشرقاً، وانتشار أعداد هائلة من حاويات القمامة الكبيرة المكشوفة الحاملة للجراثيم والأمراض والروائح الكريهة في وسط أحياء المدينة.
أما الهواء، فبدلاً من الاستمتاع بنسيم البحر النقي، أصبح الساكن يعاني من الغازات السامة للسيارات والشاحنات، ومن الروائح الكريهة المعبأة بالجراثيم والأمراض الصادرة من حاويات القمامة المكشوفة في كل حي وشارع، ومن المياه العفنة الراكدة أو مياه المجاري التي تنقلها «وايتات» تخترق المدينة من طرف إلى آخر. كل هذا وأكثر، والأمانة الموقرة تهتم بمشاريع «شوفينية» رنانة وشركات استثمار كبيرة، متناسية الأمور التي تظن أنها صغيرة بينما في الواقع هي التي تمس حياة المواطن مباشرة وفي كل يوم. أخذ اليأس منا مأخذه، فإن جاء أمين أو ذهب رئيس بلدية، يظل الموقف في تدهور مستمر، والكل يتفرج.
الأمل في رجل المنطقة الأول الأمير خالد الفيصل، الإداري القدير والفنان والشاعر والرسام المرهف الإحساس، الذي يكره القبح ويقدِّر الجمال بطبعه وميوله الفنية، بأن يأمر بتكوين لجنة عمل فنية خاصة بالتعاون مع المجلس البلدي لدراسة التردي الحاصل ووضع الحلول المطلوبة العاجلة وعلى الأمد الطويل، فهو من الرجال الذين يهمهم الإنسان في المقام الأول، قبل الاستثمار والمشاريع الطنانة.