مجالس الصحوة في العراق والمستقبل المجهول!
مجالس الصحوة في العراق هي شاهد آخر على فقدان العراق بوصلته السياسية. لأنها تعزيز للسياسة المجزأة التي وصمت الممارسة السياسية في العراق منذ وقوعه تحت الاحتلال. كما أنها في نفس الوقت مرحلة زمنية سيأتي اليوم الذي تجد نفسها خارج سياق العملية السياسية المأزومة أصلاً. وهنا يكمن الخطر, لأن رموز الصحوة سوف لن ترضى بالتهميش أو النسيان مما يجعلها تقع في مواجهة مع الحكومة أو قوات الاحتلال.
عندما تكونت قوات الصحوة كان الهدف منها طرد القاعدة من بعض المناطق التي عانت من وجود هذه العناصر القاعدية فيها, مما حول مناطقها إلى بحيرة من الدم, افتقدت خلالها إلى التنمية والاستقرار وأصبح التفجير والدمار عنوان الحياة اليومية في ربوعها. بينما لم يكن بوسع القوات الحكومية الهزيلة فعل شيء ولم يكن لدى القوات المحتلة الإرادة والعزيمة على فعل شيء, ولم تكن ترغب الدخول في معارك عصابات تفقد بموجبها الكثير من قواتها. كان الحل الأمثل استخدام العناصر القبلية لانجاز المهمة. وكان التجنيد العسكري والسياسي للرموز العشائرية في هذه المناطق, في سبيل توفير القوات المطلوبة من أبناء القبائل لتكوين قوة عسكرية تقوم بالمهمة, هو الوسيلة إلى تحقيق ذلك. فكانت مجالس صحوة الأنبار الخطوة الأبرز على صعيد التحالف مع القوات الأجنبية ضد القاعدة. وقد وصل عدد مكاتب الصحوة إلى 125 مكتباً, أصبحت بموجبه آخر صرعات الموضة السياسية في العراق. وإذا كان تحقيق الاستقرار أحد أهم الأهداف الذي جعل زعماء العشائر يوافقون على الدخول في هذا المضمار السياسي فإن الدافع الاقتصادي هو الهدف الآخر ويشكل البروز الإعلامي والسياسي الدافع الثالث. فحتى الآن دفعت السفارة الأمريكية لمجالس الصحوة نحو 150 مليون دولار كمرتبات وهبات, فقوات الصحوة مثلها مثل غيرها تريد مقابلاً إزاء عملها, وهذا حق مشروع. بينما حصل بعض الرموز العشائرية على مبالغ مالية مجزية أيضاً, وهم هنا لا يختلفون عن الساسة الرسميين في العراق الذين جعلوا العراق من أكثر دول العالم فساداً وفقاً لمؤسسة الشفافية الدولية. في نفس الوقت الذي تمتعوا بحضور ملفت في الحياة العامة, كما في زيارة الرئيس الأمريكي لمنطقة الأنبار ولقائه بعض الزعامات العشائرية هناك, ودعوتهم إلى واشنطن.
مجالس الصحوة هي وسيلة تستخدم لغاية محددة, وسوف تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً منتهية الصلاحية, وسوف يدرك رموزها أنهم غير مؤهلين سياسياً للعب دور بارز في مستقبل العراق السياسي, كما أن المنافع الاقتصادية التي يحصلون عليها والظهور في الحياة العامة هي أيضاً مؤقتة مما سيدفعهم لخلاف مع الحكومة العراقية أو قوات الاحتلال. وهنا تكمن المشكلة في ما يتعلق بمستقبل مجالس الصحوة. وسوف يكون هناك, إذا جاز التعبير, صحوة عكسية, تدرك من خلالها هذه المجالس أنها كانت في سبات عميق في وقوفها إلى جانب قوات الاحتلال. الخطأ في مسيرة مجالس الصحوة أن يقتصر دورها على الجانب العسكري لأن ذلك يجعل مستقبلها محدودا بغاية قصيرة الأجل. أما إذا كانت قوة سياسية ترتكز في أسلوب عملها إلى التنظيم السياسي والتخطيط الإستراتيجي فهذا شيء ايجابي وأتمنى أن يتم. لأن السياسة هي عصب الحياة في أي مجتمع, وهي المحرك لقوى المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. لكن هل سيتم السماح لها بذلك؟ وهل سيتم استيعابها في النسيج السياسي العراقي المشرذم والقائم على الاعتبارات الطائفية والمذهبية والنفعية؟
knhabbas@hotmail.com