سوهارتو بين المشروع الإصلاحي و القبضة الحديدية
إندونيسيا بين أخطاء العسكر وقصص الفساد.. وحقيقة النهضة الاقتصادية
سوهارتو: أنا فقير أعيش على راتب التقاعد وإيجارات منازلي القديمة
فتحي عطوة (القاهرة)
ولد سوهارتو لعائلة ريفية بسيطة، إلا أنه حكيت عنه الأساطير حول ممتلكاته وأمواله. ومنذ أن غادر السلطة قبل عشر سنوات لم يكن لوسائل الإعلام وبعض الفئات من الأندونيسيين حديث غير فساد السلطة في عهده. فهل كان ذلك نوع من المبالغة؟.. وما هي حقيقة الأموال الطائلة لسوهارتو الذي أصر على نفيها في كل مناسبة وحوكم بسببها؟ هذه قصة أخرى يمكن أن تحكى. يمكن القول إن إندونيسيا عانت عقودا طويلة من عسف العسكريين وفسادهم، ومع ذلك شهدت البلاد تطوراً اقتصادياً وصناعات متطورة معتمدة على الثروات الهائلة واحتكار السلطة لها فترة طويلة، وأصبح الفساد والتدهور الاقتصادي من أهم القضايا التي تشغل المواطن الإندونيسي منذ رحيل سوهارتو عن الحكم وحتى الآن، كما أن كل من خلفه لم ينج من قضايا الفساد.
في العام 1999 نشرت دورية اقتصادية آسيوية هي مجلة "آسيا تايم" في عدد 24 مايو 1999 تحقيقًا قدرت فيه ثروة أسرة سوهارتو -التي يقال انها جُمعت عن طريق استغلال منصبه على حد قول المجلة- بحوالى 15 مليار دولار، تتنوع بين أراضٍ ونقود ومبانٍ وطائرات، إضافة إلى 9 مليارات دولار في أحد البنوك الآسيوية.
وهذه المقولة جرت جريان النار في الهشيم، وخلال السنوات العشر الماضية تعرض سوهارتو لمحاكمات واتهامات بالفساد رغم أنه كان يتلقى علاجا متكررا في المستشفى في السنوات الاخيرة بسبب سكتة دماغية ونزيف معوي، ما جعله غير قادر على المثول امام المحكمة.
بداية المحاكمات
بدأت محاكمات سوهارتو في أبريل العام 2000 أي منذ 8 سنوات تقريبا عندما منع حينذاك من مغادرة البلاد، ووضع تحت الإقامة الجبرية منذ التاسع والعشرين من شهر مايو من ذلك العام.
وفي تلك الفترة بدأت المفاوضات مع عائلته لإعادة الأموال، ولكن المدعي العام الإندونيسي قال وقتئذ إنها لن تقود بالضرورة إلى وضع حد لقضية الفساد التي يستعد لرفعها ضد سوهارتو.
وبعد وضعه في الإقامة الجبرية جدد الرئيس الإندونيسي الأسبق عبدالرحمن وحيد تعهده بإصدار عفو عن رئيس إندونيسيا السابق، إذا أعاد الأموال التي يقال إنه اختلسها، وقال الرئيس وحيد إن سوهارتو لا يزال ماثلا أمام القضاء، ولكنه سيمنح عفوا إذا أعادت عائلته الأموال. وبرر الرئيس وحيد الحاجة إلى استمرار الإجراءات القضائية بأنها ضرورية احتراما لدور القانون، مضيفا أن قرار العفو لن يشمل أقارب سوهارتو المتهمين بالاستفادة من الفساد.
وفي شهر أغسطس العام 2000 وجهت السلطات الإندونيسية اتهامات بالفساد لسوهارتو، كما جرى استجواب ابنه حول ممتلكات الأسرة.
وصرح المدعي العام الإندونيسي وقتئذ بأنه في حالة إدانته، فإن رئيس الجمهورية السابق قد يلقى عقوبة تتراوح ما بين السجن لخمسة أعوام والسجن مدى الحياة. وكانت التهمة الموجهة له هي الاستيلاء بطريقة غير قانونية على نحو مئة وسبعين مليون دولار من سبعة صناديق خيرية كان يديرها أثناء توليه منصب الرئاسة.
مصدر الثروة
ونفى سوهارتو الاتهامات الموجهة إليه واصفا نفسه بالرجل الفقير الذي يعيش على معاشه وعلى قيمة إيجار عدة بيوت يملكها في جاكارتا.
ولكن المدعي العام قد قرر في ?? مايو 2000 إسقاط اتهامات الفساد عن الرئيس السابق بسبب مرض سوهارتو الشديد الذي يمنعه من المثول أمام القضاء.
وأثار قرار المدعي العام غضب النشطاء المؤيدين للديمقراطية ومنتقدي سياسة سوهارتو الذي اتهم النقاد نظام حكمه السابق كثيرا بالفساد والانتهاك الصارخ لحقوق الانسان. وقدمت مجموعة تضم ثلاث منظمات غير حكومية دعوى قضائية تطالب فيها المحكمة بإلغاء قرار مكتب المدعي العام.
وفي 3 أغسطس العام 2000 ألغت محكمة إندونيسية قرار المدعي العام بإسقاط التهم بالفساد ضد الرئيس السابق المريض سوهارتو وأمرت بإعادة فتح ملف القضية التي بدأت منذ فترة طويلة.
وقال القاضي آندي سامان نجانرو في حيثيات حكمه إن قرار مكتب المدعي العام لا يتماشى مع الاجراءات المتعارف عليها لوقف النظر في قضية ما حسبما هو منصوص عليه في احدى المواد من قانون المحكمة الجنائية. وهذا يعني ضرورة إعادة فتح قضية الكسب غير المشروع ضد سوهارتو والنظر فيها.
واحتشد آلاف الأفراد صباح يوم 31/8/2000 أمام مبنى وزارة الزراعة الإندونيسية في حي "راوامانجوت" بجاكرتا الغربية لمشاهدة محاكمة الرئيس الإندونيسي السابق "محمد سوهارتو" وكانت المحاكمة الأولى من نوعها التي يتعرض لها رئيس إندونيسي سابق بتهمة الفساد.
وقد تحولت الجلسة الأولى للمحاكمة، إلى ساحة الجدل بين ممثل الادعاء وفريق الدفاع عن سوهارتو الذي قدم شهادات طبية تفيد عدم استطاعة سوهارتو حضور الجلسات؛ بسبب المرض الذي عرضه لسكتة دماغية 3 مرات، وعدة أمراض أخرى كضغط الدم العالي، وصعوبة الحديث، واضطراب في عمل القلب.
المحاكمة والمرض
وقد رفض الادعاء التقرير الطبي الذي أصدره الأطباء المعالجون لسوهارتو، وطالب المحكمة بانتداب فريق طبي محايد لتقرير الوضع الصحي للرئيس السابق، وإلزامه بحضور المحاكمة إن كان باستطاعته، وهو الأمر الذي قررته المحكمة في آخر الجلسة.
وقررت المحكمة تأجيل موعد بدء المحاكمة لعدة أسابيع بعدما قال محاموه إن حالته الصحية لا تسمح له بالدفاع عن نفسه.
واستمرت المحاكمات بين أخذ ورد ومد وجزر دون أن يدان سوهارتو بأي شيء.
وفي 30 سبتمبر 2000 اتخذ القضاء الإندونيسي قراراً مفاجئاً بوقف محاكمة الرئيس السابق بتهم الفساد، وذلك بسبب سوء حالته الصحية. وقوبل القرار الذي أرفق برفع الإقامة الجبرية عنه باحتجاجات واسعة من جانب مناهضيه.
وفي 13/12/2001 أعلنت المحكمة العليا في إندونيسيا أن الرئيس الأسبق سوهارتو لن يمثل أمام القضاء لتدهور حالته الصحية المستمر. غير أن المحكمة فوضت المدعي العام سلطة إحضار سوهارتو من جديد للمحكمة.
وجاء في بيان المحكمة أن الأطباء الذين كلفوا فحص المتهم سوهارتو أقروا بأن شفاءه مستحيل وعلى هذا لا يمكن أن يمثل أمام المحكمة". وكرر قرار الأطباء الذي صدر في أغسطس 2000م، بخصوص الحالة الصحية له. وأضاف "لكن قرار رفع قضية ضد سوهارتو في المحكمة هو من سلطة مكتب المدعي العام استنادا إلى لائحة الجنايات".
وفى مايو 2006 أغلق مكتب المدعي العام القضية الجنائية التي رفعت ضد سوهارتو بسبب تدهور حالته الصحية. ولكن المكتب رفض اغلاق القضية المدنية وعرض اجراء تسوية خارج المحكمة.
وعلق الرئيس الإندونيسي الحالي سوسيلو بامبانج يودويونو انه لا يرى من اللائق مناقشة القضية المدنية للرئيس السابق بسبب حالته الحرجة. واضاف "انني سمعت ان الحكومة لديها مبادرة لتسوية القضية المدنية لسوهارتو. فالحكومة ترى ان هذا ليس الوقت المناسب وأنها ليس لها أولوية في هذه الايام".
وأضاف ان الحكومة ستسوي هذه القضية في الوقت المناسب. وقال ان الرئيس السابق كانت لديه بعض الاخطاء خلال حكمه، وكانت لديه ايضا بعض الانجازات. وقال "دعونا نوقف هذا الجدل الذى لا يبدو حكيما الآن. ولنتحل بالنبل الذي تتسم به بلادنا".
وذكر الرئيس سوسيلو يوم السبت 12 يناير الجاري ان اندونيسيا لم تتخذ اي قرار بشأن استئناف او انهاء القضايا القانونية المرفوعة ضد الرئيس السابق سوهارتو في حين يرقد في حالة حرجة في المستشفى الآن. وهكذا مات سوهارتو ليغلق موته حقبة من المحاكمات حول فساده ولم يعترف سوهارتو مرة واحدة بأن لديه أموالا طائلة بل كان يكرر أنه فقير ولم يرتكب فسادا وانه يعيش على راتب التقاعد وعلى ايجارات شققه القديمة في جاكرتا وتظل قضية أمواله الطائلة مجرد اقاويل صحف.